فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم * وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر
وقيل للجنيد : إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت ، فقال : لم يكن بعجب أن تطير روحه اشتياقا . وقيل لذي النون - عند موته - ، ما تشتهي ؟ قال : أن أعرفه قبل موتي بلحظة . وقيل لبعضهم وهو في النزع : قل اللّه فقال : إلى متى تقول اللّه وأنا محترق باللّه . وقال بعضهم : كنت عند ممشاد الدينوري فقدم فقير وقال السلام عليكم ؛ هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه ؟ قال : فأشاروا إليه بمكان - وكان ثم عين ماء - فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء اللّه ، ومضى إلى ذلك المكان ومد رجليه ومات . وكان أبو العباس الدينوري يتكلم في مجلسه ، فصاحت امرأة تواجدا
شرح
( فما عرسوا ) أي ما نزلوا أي في سفرهم ( إلا بقرب حبيبهم ، وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر ) أي أحوالهم في الدنيا مع مولاهم هي التي حملتهم على حنين قلوبهم إليه وقت الارتحال ، ولم يجدوا لما هم فيه من نزع الروح والأهوال ألما لإعراضهم عن الدنيا . نقله القشيري في الرسالة .
( وقيل للجنيد : إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت ، فقال : لم يكن يعجب أن تطير روحه ) اشتياقا للقاء ربه نقله القشيري في الرسالة ، وفيه إشارة إلى كمال حال الخراز في دوام شغله باللّه وأنسه به في سائر أحواله . ( وقيل لذي النون ) المصري رحمه اللّه تعالى ( عند موته : ما ذا تشتهي ؟ قال : ) أشتهي ( أن أعرفه ) فوق معرفتي له ( قبل موتي بلحظة ) رواه القشيري في الرسالة ، والمعنى أن ذا النون رأى نفسه مقصرا عن القيام بحق معرفته فعد معرفته كلا معرفة ، فطلب أن يستغرق في جلال اللّه وكماله بحسب ما علمه من ذلك . ( وقيل لبعضهم وهو في النزع : قل اللّه ) أي اذكره بلسانك . ( فقال : إلى متى تقولون ) لي قل اللّه ( وأنا محترق باللّه ) فلست بغافل عنه فلا احتاج إلى من يذكرني به . نقله القشيري في الرسالة ، وهذا يدل على كمال حضوره مع اللّه شديد المراقبة له . ( وقال بعضهم : كنت عند ) أبي علي ( ممشاد الدينوري ) رحمه اللّه تعالى وجماعة ( فقدم ) عليهم ( فقير ) من الفقراء أرباب الأحوال ( وقال :
السلام عليكم ) ، فردوا عليه السلام ، فقال لهم : ( هل ههنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه ، فأشاروا إليه بمكان ) عينوه له ( وكان ثم عين ماء ، فجدّد ) ذلك ( الفقير الوضوء ) منها ( وركع ما شاء اللّه ومضى إلى ذلك المكان ) الذي أشاروا إليه ، ( ومدّ رجليه ومات ) نقله القشيري في الرسالة وابن خميس في مناقب الأبرار وابن الملقن في الطبقات ، وهذا من خرق العوائد وهو مستثنى من عموم خمس من الغيب لا يعلمهن إلا اللّه ، فيطلع الولي على ذلك .
وفائدة هذه الحكاية أنه كان في مجلس الدينوري من ينكر خرق العوائد فأتى اللّه به جهارا مرتبا على سؤال وجواب ليرجع إليه من ينكره وينتفع به ويتقوّى به من ينظره .
( وكان أبو العباس ) أحمد بن محمد ( الدينوري ) رحمه اللّه تعالى صحب يوسف بن الحسين