وقال الجريري : كنت عند الجنيد في حال نزعه - وكان يوم الجمعة يوم النيروز - وهو يقرأ القرآن فختم ، فقلت له : في هذه الحالة يا أبا القاسم ؟ فقال : ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتي ؟
وقال رويم : حضرت وفاة أبي سعيد الخراز وهو يقول :
حنين قلوب العارفين إلى الذكر * وتذكارهم وقت المناجاة للسرّ
أدبرت كؤوس للمنايا عليهم * فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي السكر
همومهم جوالة بمعسكر * به أهل ودّ اللّه كالأنجم الزهر
فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه * وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري
شرح
* أبو محمد بن الخشاب رحمه اللّه تعالى . قال ابن الجوزي : دخلت عليه في مرض موته وهو ساكن غير منزعج فقال لي : عند اللّه أحتسب نفسي .
ثم شرع المصنف رحمه اللّه تعالى في ذكر أقاويل المحتضرين من السادة الصوفية فقال :
( وقال الجريري ) : وهو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين نسب إلى جده جرير مصغرا من أكابر أصحاب الجنيد وصحب سهلا التستري : ( كنت عند الجنيد ) أبي القاسم ( في حال نزعه وكان يوم الجمعة ويوم النيروز ) أي أوّل يوم من السنة العجمية وأصله أنوروز أي النهار الجديد ، ( وهو يقرأ القرآن فختم فقلت له في هذه الحالة : يا أبا القاسم ؟ فقال : ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتي ) نقله القشيري في الرسالة .
وقال أبو نعيم في الحلية : سمعت عبد المنعم بن عثمان يقول : سمعت أبا سعيد بن الاعرابي يقول : سمعت أبا بكر العطار يقول : حضرت الجنيد عند الموت في جماعة لأصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجليه كلما أراد أن يسجد ، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجل وثقل عليه حركتها فمدّ رجليه وقد تورمتا ، فرآه بعض أصدقائه فقال : ما هذا يا أبا القاسم ؟ فقال : هذه نعم اللّه أكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري : لو اضطجعت ؟ قال : يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ منه اللّه أكبر ، فلم يزل ذلك حاله حتى مات رحمه اللّه تعالى .
( وقال ) أبو محمد ( رويم ) بن أحمد البغدادي رحمه اللّه تعالى : ( حضرت وفاة أبي سعيد ) أحمد بن عيسى ( الخراز ) رحمه اللّه تعالى ( وهو يقول في ) آخر نفسه : ( حنين قلوب العارفين إلى الذكر . وتذكارهم وقت المناجاة للسر ) .
( أديرت كؤوس للمنايا عليهم ، فأغفوا ) أي اعرضوا ( عن الدنيا كاغفاء ذي السكر .همومهم جوّالة بمعسكر * به أهل ود اللّه كالأنجم الزهرفأجسامهم في الأرض قتلى بحبه ) وفي بعض النسخ تبلى بدل قتلى ( وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري ) أي تقطعها بسرعة إلى نحو العلى حتى لم يبق في قلوبهم حجاب يحجبها عنه لاعراضهم عن الدنيا .