وحكي عن هارون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند الموت ، وكان ينظر إليها ويقول :
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
[ الحاقة : 28 - 29 ] وفرش
شرح
قال : فسليناه فلم يلبث إلا قليلا حتى خرج للصيد فاتبع طريدة فسقط وأقبل فرسه عائدا ، فنظرناه فإذا هو ميت .
وقال صاحب صفوة التاريخ : كان سبب موت المهدي فيما حكي أن جارية حسناء أهدت إلى طلة ضرتها جاما فيه قطائف مسمومة فمر بالجام عليه فدعا بها فأخذ قطيفة فعضها وابتلع منها لقمة ثم ردها وقال : احذروا أن تأكلوا منه شيئا فإنه مسموم ودعا بكلب فأطعمه باقي القطيفة التي أكل منها فمات الكلب من ساعته فأشير على المهدي أن يشرب من السمن ما أمكنه ويتقيأ ففعل وسكن عنه بلا قذف بعض ما كان يجده ، وصلى بأصحابه الظهر والعصر والمغرب والعشاء الأخيرة ، ثم التفت إليهم فقال : استودعكم اللّه إليه أرغب في حسن الخلافة عليكم وأعظم اللّه أجركم في خليفتكم ، فارتاعوا لذلك وقالوا : نرجو أن يكون يومنا قبل يومك ، فقال : حدثني المنصور أن أباه محمد بن علي حدثه عن أبيه عن عبد اللّه بن عباس أنه لما نزلت سورةإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « نعيت إلي نفسي » قال المهدي : فكنت منذ سمعت هذا الحديث أتجنب قراءة هذه السورة في العلة ، فلما بليت في يومي هذا بأكل هذا الطعام ، ثم صليت بكم الظهر فأنسيت جميع ما أنزل اللّه بعد أم الكتاب خلا هذه السورة فقرأتها وتطيرت ، ثم صليت الركعة الثانية فو اللّه ما انطلق لساني بغيرها ، ثم كانت حالي في العصر والمغرب والعشاء مثل حالي في الظهر ، فقلت : إن نفسي قد نعيت إلي ، فلما انتصف الليل مات .
( وحكي عن هارون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند الموت وكان ينظر إليها ويقول :ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) وكانت وفاته بطوس سنة 193 . وروى علي بن محمد النوفلي عن أبي جامع المروزي عن أبيه قال : كنت فيمن جاء بأخي رافع بن الليث إلى الرشيد فأدخلناه إليه وهو على سريره والمرآة في يده وهو يقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون ما أشد ما قد أثرت في العلة ، ثم نظر إلى أخي رافع فقال : لأرجو كما لم تفتني أن لا يفوتني أخوك ، واللّه لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقلت اقتلوه ، ثم دعا بقصاب فقال : لا تشحذ مداك وفصله عضوا عضوا وعجل لا يحضرني أجلي وعضو من أعضائه في جسده ففصله حتى جعله أشلا ، ثم قال : أعدد ما فصلت منه ، فإذا أربعة عشر عضوا فرفع يديه فقال : اللهم كما أمكنتني من ثأرك فمكني من أخيه ثم مات بعد ساعة .
وقال العمي : حدثني كهلان عن أبي الخطاب قال : أخبرني من شهد موت الرشيد قال : لما اشتد به الوجع قال لعمر بن سادر : أخرج إلى العراق وامض منها إلى الأهواز فاقتض أموال جبريل بن بختيشوع ، ومال فرج الزخجي ، ومال هارون بن أبان فأرجو أن يكون عوضا من الأموال التي أنفقناه في سفرنا هذا ، واعلم أني في أثرك لا بد لي من أن أنحدر إلى البصرة فاطلب أحمد بن عيسى