إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 15
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أكثروا من ذكر هاذم اللذات » ؛ معناه نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها فتقبلوا على اللّه تعالى وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لو تعلم من البهائم الموت ما ذبابة . وروى ابن أبي الدنيا ، والخطيب ، وابن عساكر عن أبي بكرة قال : واللّه ما من نفس تخرج أحب إلي من نفسي هذه ولا نفس هذا الذباب الطائر ففزع القوم فقالوا : لم ؟ فقال : إني أخشى أن أدرك زمانا لا أستطيع أن آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر وما خير يومئذ . وروى ابن أبي شيبة وابن سعد والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أنه مر به رجل فقال : أين تريد ؟ قال : السوق . قال : إن استطعت أن تشتري الموت قبل أن ترجع فافعل . وروى ابن أبي الدنيا ، والطبراني في الكبير ، وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن العرباض بن سارية ، وكان شيخا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان يحب أن يقبض فكان يدعو : اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك . قال : فبينما أنا يوما في مسجد دمشق وأنا أصلي وأدعو أن أقبض إذ أنا بفتى شاب من أجمل الرجال وعليه دراج أخضر فقال : ما هذا الذي تدعو به ؟ قلت : وكيف أدعو يا ابن أخي ؟ قال : قل اللهم حسن العمل وبلغ الأجل . قلت : من أنت يرحمك اللّه ؟ قال : أنا رتائيل الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين ثم التفت فلم أر أحدا . فصل [ فضيلة ذكر الموت ] وأما فضيلة ذكر الموت فقد أورد المصنف في هذا الفصل ما يدل على فضيلة الموت وما يدل على فضيلة ذكره ، ونحن ننبه على كل منهما فمما يدل على فضيلة ذكره ما ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أكثروا من ذكر هادم اللذات » ) الموت ، وهادم : روي بالدال المهملة وبالمعجمة ، والهذم : القطع ومنه سيف هذام ، واللذات هي الشهوات فإن كان بالدال المهملة فالمعنى مزيلها من أصلها ، وأنكره السهيلي في الروض وقال : ليس مرادا ههنا ، وتعقبه الحافظ ابن حجر وقال في ذا النفي نظر ، وسياق المصنف يشعر أنها بالذال المعجمة حيث قال : ( معناه نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم ) أي ميلكم وسكونكم ( إليها فتقبلوا على اللّه تعالى ) . وسياق الطيبي يشعر بأنها بالدال المهملة حيث قال : شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة ، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم لئلا يستمر على الركون إليها ويشتغل بما عليه من التزود إلى القرار . قال العراقي : رواه الترمذي وقال : حسن والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وقد تقدم انتهى . قلت : لفظ الترمذي « أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت » . ورواه كذلك هو وأحمد والنسائي وابن ماجة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به مرفوعا . وصححه ابن حبان والحاكم وابن السكن وابن طاهر ، وأعله الدارقطني بالإرسال ، وقد رواه كذلك العسكري في الأمثال والبيهقي في الشعب ، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عمر ، والطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم أيضا والبيهقي والضياء من حديث أنس . وقوله : الموت بجره عطف بيان وبرفعه خبر مبتدأ