وإنما معنى هذه الكلمة أن يموت الرجل وليس في قلبه شيء غير اللّه ، فإذا لم يبق له مطلوب سوى الواحد الحق كان قدومه بالموت على محبوبه غاية النعيم في حقه . وإن كان القلب مشغوفا بالدنيا ملتفتا إليها متأسفا على لذاتها وكانت الكلمة على رأس اللسان ولم ينطبق القلب على تحقيقها ، وقع الأمر في خطر المشيئة ، فإن مجرد حركة اللسان قليل الجدوى إلا أن يتفضل اللّه تعالى بالقبول .
شرح
زرعة يقول : حضرت أبا زرعة وهو في السوق يعني بفتح السين وعنده أبو حاتم ، ومحمد بن مسلم ، والمنذر بن شاذان ، وجماعة من العلماء فذكروا حديث التلقين ، واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه التوحيد فقالوا : تعالوا نذكر الحديث ، فقال محمد بن مسلم : حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح وجعل يقول ابن ابن ولم يجاوز ، فقال أبو حاتم : حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر وسكت ولم يجاوز والباقون سكتوا . فقال أبو زرعة وهو في السوق : حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبي عريب ، عن كثير بن مرة الحضرمي ، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة » . وتوفي أبو زرعة رحمه اللّه تعالى . هكذا أخرجه السيوطي في أمالي الدرة الفاخرة من هذا الوجه ، ورواه ابن الجوزي في كتاب الثبات فقال : أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، أخبرنا أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن فضالة ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن شاذان ، سمعت أبا جعفر التستري يقول : حضرنا أبا زرعة وكان في السوق فساقه .
قلت : والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني من هذا الوجه وأخرجه ابن منده من حديث أبي شيبة الخدري ، وأنشد السيوطي لنفسه في هذا المعنى :لقن أخاك لدى الممات شهادة * لا تستهبه ولا تلح وتبرم
من كان آخر ما يقول شهادة إلا * خلاص يخلد في الجنان ويرحم( وإنما معنى هذه الكلمة أن يموت الرجل وليس في قلبه غير اللّه ) كما قال القائل : حسبي ربي جل اللّه ما في قلبي غير اللّه ، ( فإذا لم يبق له مطلوب سوى الواحد الحق ) جل شأنه ( كان قدومه بالموت على حبيبه غاية النعيم في حقه ، وإن كان القلب مشغوفا بالدنيا ملتفتا إليها متأسفا على لذاتها ) خائفا على فواتها ، ( وكانت الكلمة على رأس اللسان ولم ينطبق القلب على تحقيقها وقع الأمر في خطر المشيئة فإن مجرد حركة اللسان ، قليل الجدوى إلا أن يتفضل اللّه بالقبول ) ، وقد روى الطبراني من حديث معاذ : « من مات يقول لا إله إلا اللّه يقينا من نفسه دخل الجنة » . وروى أحمد والبيهقي من حديثه : « من مات وهو يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه صادقا من قلبه دخل الجنة » .