بحيث يغلب ذلك على القلب ، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظنّ أنها خالصة لوجه اللّه ويكون فيها مغرورا لأنه لا يرى وجه الآفة فيها كما حكي عن بعضهم أنه قال : قضيت صلاة ثلاثين سنة صليتها في المسجد في الصف الأول لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني ، فعرفت أن نظر الناس إليّ في الصف الأول كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر . وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له إلا من وفقه اللّه تعالى والغافلون عنه يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون بقوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
[ الزمر : 47 ، 48 ] ، وبقوله تعالى :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 103 ، 104 ] ، وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء ، فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء ، والشيطان
شرح
والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب ) فلا يهمه إلا هو ، ( فإذا ذلك يتيسر ) له ( الإخلاص ) أي كماله ( وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ) طول عمره ( ويظن ) في نفسه ( أنها خالصة لوجه اللّه تعالى ويكون فيها مغرورا لأنه لا يرى وجه الآفة فيها ) فعليه أن يمتحن نفسه بالامتحانات ، ( كما حكي عن بعضهم أنه قال : قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني فاعترتني خجلة من الناس ) إذ ( رأوني في الصف الثاني ، فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر ) وهذا لا يحبط ثواب نفس الصلاة ، وإنما ينقص ثواب المسارعة إلى الصف الأول ، فعمل على خلاف ما تتقاضاه النفس لئلا يرجع ذلك له قويا ، فيستحب للمخلص أن يتفقد أحواله ليقف بذلك على أغوار مكائد النفس والشيطان . ( وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله وقلما يتنبه له إلا من وفقه اللّه تعالى ) وهم قليلون ، ( والغافلون عنه يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات ) ويندمون حيث لا ينفعهم الندم ، ( وهم المرادون بقوله تعالى :وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) قيل : عملوا أعمالا لجهلهم ظنوا أنها حسنات فوجدوها سيئات ، وبقوله تعالى :
(وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ) وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ( وبقوله تعالىقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًوأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء ) والوعاظ ، ( فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء ) أي الغلبة ( والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء ، والشيطان يلبس