تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
كما سبق في النية . وبالجملة ؛ فإما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني أو أقوى منه أو أضعف . ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه . وهذا لا يتصوّر إلا من محب للّه مستهتر باللّه مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا ، بل تكون رغبته فيه كرغبته
شرح
ورد على رأي الإحباط من العلماء كما سيأتي تفصيله قريبا . وأما الموافقة ؛ فلا يجب التخلص منها لما في ذلك من الحرج على العامة ولكنها منقصة لكمال الإخلاص . ( وبالجملة ؛ فإما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني أو أقوى منه أو أضعف ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره ) قريبا ، ( وإنما ) الإخلاص في الحقيقة ( تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه ) وهذا هو إخلاص العوام . قال القشيري : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا عبد الرحمن المغربي يقول الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال ، وهذا إخلاص العوام وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد انتهى . وكأنه يشير إلى كمال الإخلاص ولا يقدر عليه إلا بعد استغراق الحب قلبه ، فرجع المباحات عنده كالأدوية لا يتناول منها إلا لضرورة ، ولأجل كمال الإخلاص بأصله شق على الناس علمه وعمله فصار حديث الإخلاص عند المتفقهة كالمستغرب وهو شرط في صحة أعمالهم ، وقد تقدم ذكر الشوائب المنقصة لأصل الاخلاص فلنذكر الشوائب المنقصة لكماله ، والكمال هو أن لا يلتفت في سائر أحواله إلا إلى اللّه تعالى عبادة أو عادة ، وأن يكون وجود الناس عنده كعدمهم لأن وجودهم مجازي لا حقيقة ، إذ لا قوام لهم بنفوسهم إنما لموجود الثابت الحقيقي هو اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي قامت ذاته بذاته وكل شيء سواه قائم به ومستند إلى قدرته ، فإن عجز عن هذا المقام فليكن وجودهم عنده كوجود البهائم بمعنى أنها لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، ولا عطاء ولا منعا ، ولا مدحا ولا ذما ، فمتى ما فرق في مشاهدة الخلق بين أن يشهده رئيس أو بهيمة في عبادة من عباداته فلا يخلو إخلاصه عن نقصان بحسب قوة النظر في وجهة قلبه عن اللّه تعالى أو ضعفها ، ولهذا كان المخلصون على خطر عظيم وكانت أعمالهم أعمال المقربين ، فمن رزق هذه الحالة فنقصانها بالنظر إليها والاعتماد عليها هذا ما يتعلق بكمال الإخلاص . وبالجملة ؛ فالباعث على الفعل إما أن يكون روحانيا فقط وهو الإخلاص ، أو شيطانيا فقط وهو الرياء ، أو مركبا وهو ثلاثة أقسام لأنه لا يخلو إما أن يكونا سواء أو الروحاني أقوى أو الشيطاني أقوى ، فإذا كان الباعث روحانيا فقط ( وهذا لا يتصور إلا من محب للّه مستهتر باللّه مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار حتى لا يحب الأكل والشرب