بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرّب إلى اللّه تعالى عن جميع الشوائب كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق ، ومن كان باعثه مجرد الرياء ، فهو معرض للهلاك ولسنا نتكلم فيه إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات وأقل أموره ما ورد في الخبر من : « أن المرائي يدعى يوم القيامة بأربع أسام يا مرائي يا مخادع يا مشرك يا كافر » ، وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس .
ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب ، أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤونته وسوء خلقه ، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر ، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده ، أو ليهرب عن عدوّ في منزله ، أو يتبرم بأهله وولده ، أو يشغل هو فيه فأراد أن يستريح منه أياما . أو ليغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابه ويقدر به على
شرح
( ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى اللّه تعالى عن جميع الشوائب ) وهو أحد الجانبين ، ( كما أن الإلحاد ) لغة ( عبارة عن الميل ) المطلق سواء كان عن باطل أو إلى باطل ، ( ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق ) إلى الباطل وهو أحد الجانبين . ( ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك ، ولسنا نتكلم فيه ) الآن ( إذ ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات ) فلا نعيده ، ( وأقل أموره ما ورد في الخبر من : « أن المرائي ) بأعماله ( يدعى يوم القيامة بأربعة أسام : يا مرائي يا مخادع يا مشرك يا كافر » ) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب النية والإخلاص وقد تقدم . ( وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ) إلى اللّه تعالى ، ( ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ) جميعا لكن من الحظوظ « 1 » ما يتصل أصله ، ومنها ما ينقص كماله . أما الرياء ؛ فهو أن يطلب الرجل بعمله حمد الناس وطلب نفعهم ودفع ذمهم ، فإن العمل إذا تجرد لهذا الباعث أحبط العمل وأفسد الصلاة وأوجب المقت والنكال والعذاب الأليم ، وذلك على قدر المراءى به والمراءى لأجله . أما المراءى به فهي الطاعات وذلك إما بأصولها أو بأوصافها وكل منهما على ثلاث درجات تقدم تفصيلها في كتاب ذم الرياء . وأما ما يراءى لأجله فله أيضا ثلاث درجات ، وقد ذكرت في الكتاب المذكور وكذا درجات الرياء الخفي . ( و ) أما الشوائب التي هي حظوظ النفس فله أمثلة وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله : ( مثال ذلك أن يصوم ) العبد ( لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب ، أو يعتق عبدا ) من عبيده ( ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه ) وشره ، ( أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر ، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده ) فيخرج هاربا ، ( أو ليهرب من عدو له في منزله ) لا يطيق دفعه ، ( أو يتبرم بأهله وولده ) أي يتضجر بهم ، ( أو شغل هو فيه فأراد أن يستريح
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .