تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
أبغض اللّه عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا : أعطاه صحبة الصالحين ومنعه القبول منهم ، وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه الإخلاص فيها ، وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها . وقال السوسي : مراد اللّه من عمل الخلائق الإخلاص فقط . وقال الجنيد : إنّ للّه عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع . وقال محمد بن سعيد المروزي : الأمر كله يرجع إلى أصلين : فعل منه بك ، وفعل منك له ، فترضى ما فعل وتخلص فيما تعمل . فإذا أنت قد سعدت بهذين فزت في الدارين . بيان حقيقة الإخلاص : اعلم أن كل شيء يتصوّر أن يشوبه غيره ، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي
شرح
( ويقال : العلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص ) فكما أن الزرع لا ينمو إلا بالماء كذلك العمل لا ينمو إلا بالإخلاص . ( وقال بعضهم : إذا أبغض اللّه عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا : أعطاه صحبة الصالحين ومنعه القبول منهم ، وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه الإخلاص فيها ، وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها ) فالقبول والإخلاص والصدق من جملة إمارات الحب . ( وقال ) أبو يعقوب ( السوسي ) رحمه اللّه تعالى ( مراد اللّه من عمل الخلائق الإخلاص فقط ) أن لا يشركوا فيه غيره . ( وقال الجنيد ) قدس سره : ( إن للّه عبادا عقلوا ) فيما أعطوا ، ( فلما عقلوا عملوا ) بما علموا ، ( فلما عملوا أخلصوا ) لوجهه ( فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع ) نقله صاحب القوت . ( وقال محمد بن سعيد ) ابن إبراهيم ( المروزي ) رحمه اللّه تعالى : ( الأمر كله يرجع إلى أصلين : فعل منه بك وفعل منك له ، فترضى ما فعل ) بك ( وتخلص فيما تعمل ) له ، ( فإذا أنت قد سعدت بهذين ) الأصلين ( فزت في الدارين ) فإن المدار كله على الرضا والإخلاص وهو عين التوحيد .

بيان حقيقة الإخلاص :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى أن الإخلاص شرط في سائر العبادات وهو معنى قولهوَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ[ البينة : 5 ] وقولهإِيَّاكَ نَعْبُدُوقدمنا غير ما مرة أن رؤية المنة للّه تعالى واجبة للنعمة وليس لها حقيقة إلا التبري من الحول والقوة والرجوع إلى اللّه تعالى بالفقر والفاقة وطلب الاستعانة ، وهو معنى ما أمرنا به بقولهوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُولا نعمة للّه على عبده أفضل من الإيمان به والعمل لأجله ، فهذا وجه وجوب الإخلاص في سائر العبادات ، وأما وجه استحبابها في سائر التقلبات فإن العبد البار لا يتحرك إلا لسيده لأن القوة التي يتحرك بها مكتسبة من تغذية نعمة سيده ، لأن حقيقة العبد أن لا يملك من نفسه ولا لنفسه شيئا إذ هو خالقه ورازقه وعليه توليه إن أحسن لحكمة الكرم ، وله أن يعاقبه إن أساء فما أوضح هذا وما أعزه في القلوب علما وحالا وعملا ، ولأجل عزته أوجب اللّه تعالى تكريره على ألسنتنا وقلوبنا في اليوم والليلة سبع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 91 | مرتضى الزبيدي