شرح
والتكبير قد ينفك عند النية ؛ فبهذا تعلم أن النية عبارة عن إجابة الباعث المحرك ، فهذا تحقيق نوعي القصد .
وأما العلم : فلا بد منه إذ لا قصد إلا إلى معلوم والقصد الأول يستدعي علما فإن من لا يعلم القيام ولا التكبير لا يمكنه أن يقصده ، والقصد الثاني أيضا يستدعي العلم فإن الغرض إنما يكون باعثا في حق من علم الغرض ، فمن لا يعلم معنى الاحترام والتعظيم لا يمكنه أن يقوم لغيره على نية الاحترام والتعظيم ، فلنرجع إلى القصد الثاني الذي هو النية وهي خطوة واحدة ليس فيها تعدد حتى يعسر جمعها . نعم يمكن استدامتها بضده وهو قصد شيء آخر كما لو ابتدأ القيام للاحترام ثم ندم عليه ، وقبل إتمام القيام عرض له فصد الخروج إلى السوق فاستتم القيام على ذلك القصد أو بضد شرطها وهو الغفلة عن العلم بالاحترام ، فإن العلم المقصود شرط لبقاء القصد ولا عسر في استدامته لهذا القصد من أول التكبير إلى آخره ، فإن التكبير لفظ مختصر يتم في لحظة ويبعد طرئان ضد في دوامه بحيث يحس بانقطاعه قبل تمام التكبير ، وإذا لم يحس بانقطاعه فلا يعتبر من الوسوسة ما يطرأ فيها .
وأما العلم ؛ فله متعلقان أحدهما : نفس الفعل وهو شرط القصد الأول فإنه لا يقوم لتعظيم زيد من لا يعلم القيام ، فلا بد وأن يعلم ما به التعظيم والتعظيم بقيام مع الإقبال على ذاك الشخص تعرضا بدخوله فإنه لو قام مستدبرا إياه أو بعد انصرافه لم يكن تعظيما ، فهذا علم بما به التعظيم .
والعلم الثاني : وهو شرط القصد الآخر وهو العلم بالمعظم ووجهه وجوب تعظيمه كالعلم بزيد الداخل وكونه شريفا فاضلا مستحقا للتعظيم ؛ فهذه العلوم والقصود إذا فصلت باللسان ونظم العبارات طالت وكان من ضرورتها الترتيب والتعاقب حتى يكون البعض منها بعد البعض ، سواء كان اللفظ باللسان أو بحديث النفس ، ولا يكون حديث اللسان والنفس إلا بلغة عربية أو أعجمية ، وليس في النية والعلم لغة ولا حرف ولا ترتيب ، بل يجتمع منها في اللحظة الواحدة علوم كثيرة والذهن لا يشعر بترتيب الألفاظ المعبرة عنها ، ولكن تكون تلك العقود حاضرة وتلك العموم حاصلة في لحظة واحدة وهي مدة الانتصاب وهو مقترن به ، ولو لم يخطر تفصيل ذلك بحديث النفس ولم يقل بقلبه ولا بلسانه نويت أن أنتصب قائما مع الإقبال بالوجه والاقتران بالدخول تعظيما لزيد الشريف الفاضل ، ولو قال ذلك بلسانه وقلبه دل على خبل في عقله وجهل منه ، فكذلك الصلاة فعل مخصوص كالقيام والنية باعث مخصوص وهو المنوى وهو إيجاب اللّه تعالى واستجابه ويستدعي ذلك علوما وقصودا ويحضر جميع ذلك مقرونا بهمزة التكبير من غير عسر ، وإنما العسر إحضار الألفاظ المرددة على اللسان أو القلب دفعة واحدة ، فأما حضور القصد في لحظة واحدة فلا يخفى لأن القصد لحظة . وأما هذه العلوم فمضمون اجتماعها ثلاث أمور :
أحدها : أن حضور الأخص كاف عن حضور الأعم ، فإن المأمور به فعل لا كل فعل ، بل