تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
شرح
بكلامه أي ما يخصه به من المعاني التي يحتملها دون غيره ، وهذا التفسير جائز على اللّه تعالى غير أن أسماءه توقيفية فلا يقال اللّه عان وإن قيل مريد . وأما المشيئة ؛ فالظاهر أنها مرادفة للإرادة . وقالت الحنفية . هي مباينة وجعلوها مشتقة من الشيء والشيء اسم الموجود ، حتى قالوا : إذا قال الحالف إن شئت دخول الدار فعبدي حر فأراد دخول الدار لا يعتق حتى يدخل ، ولا تكفي الإرادة ، وأطلنا في كشف كتب اللغة ولم نجد للمشيئة معنى إلا الإرادة ؛ فهذه التفاسير والتغايرات بين هذه المعاني العشرة يساعدها عليها الاستعمال والأصول الموجودة لعدم الترادف ، فتلخص أن النية غير التسعة الباقية لما ذكر من خصوصيتها وخصوصيات كل من التسعة المفقودة في النية فيجزم الناظر بالفرق حينئذ ، ولا يضر كون الاستعمال قد يتوسع فيه فيستعمل أراد ومراده نوى أو عزم أو قصد أو عنى ، فإنها متقاربة المعاني حتى يكاد يجزم فيها بالترادف تكثيرا لفوائد اللغة . قال : وبهذا تظهر الحكمة في قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الأعمال بالنيات » ولم يقل بالإرادات والعنايات أو غير ذلك . فإنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يرد إلا الإرادة الخاصة المميلة للفعل إلى جهة الأحكام الشرعية كما تقدم في تفسير النية . فصل سئل الإمام الغزالي رحمه اللّه تعالى عن قول الفقهاء بوجوب مقارنة النية للتكبير وكيف يكلف المرء بذلك ، ومعلوم أن الفرضية والظهرية والإدائية ونية التقرب إلى اللّه تعالى واجبة ، فكيف يخطر بباله هذه الأمور حال افتتاح الصلاة وأنى يتصور ذلك ؟ فأجاب : أمر النية سهل في العبادات وهو مثل النية في العاديات ، وإنما يتعسر بسبب الجهل بحقيقة النية أو بسبب الوسوسة التي هي نوع اضطراب وفساد في الفكر ، فلا بد من معرفة حقيقة النية ، وإنما يلتئم أمر النية بقصد وعلم القصد فنان وللعلم المفتقر إليه متعلقان . أما الفن الأول من القصد ؛ فهو القصد إلى الفعل وذلك ما يصير به الفعل اختياريا كالهوي إلى السجود مثلا فإنه تارة يكون بقصد وتارة يسقط الإنسان على وجهه بصرعة أو صدمة ؛ فهذا يضاده الاضطرار . والفن الثاني : كالعلة لهذا القصد وهو الانبعاث لإجابة الداعي وقد يسمى باعثا فإنك إذا قمت عند اجتياز إنسان بك فلك قصد القيام بكل حال ، فإن القيام لا يقع اضطرارا ولكن قد يكون غرضك في القيام احترام ذلك الإنسان ، وقد يكون غرضك أن تلبس ثوبا وتسرج دابة وتخرج إلى السوق أو غرض آخر من الأغراض ، فإن كان المحرك الباعث على اختيار القيام احترام ذلك الإنسان يقال : نويت تعظيمة ، وإن كان غرضك الخروج إلى السوق نويت الخروج وكيفما نويت ، فالقيام لا يخلو عن إرادة قصد متعلق بمعنى القيام ، ولكن القصد إلى القيام لا ينبعث من النفس إلا إذا كان في القيام غرض ، فذلك الغرض هو المنوى ، والنية إذا أطلقت في غالب الأمر أريد بها انبعاث القصد متوجها إلى ذلك الغرض علة تحريك قصد القيام ، وقصد القيام إجابة لتحريك ذلك الغرض وانبعاث إليه ، وقصد الفعل لا ينفك عند التكبير إذ اللسان لا يجري عليه كلام منظوم اضطرارا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71 | مرتضى الزبيدي