تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
شرح
الْعامِلِينَ[ العنكبوت : 58 ]مَنْ عَمِلَ صالِحاً[ فصلت : 46 ] قال : وإذا تقرر ذلك حسن حتما أن يقال : الأعمال بالنيات دون الأفعال بالنيات لأن التقدير في خبر المبتدأ المحذوف الأعمال معتبرة بالنيات ، وإنما يراد اعتبارها إذا كانت تصلح للّه تعالى ولا يصلح له إلا ما كان شريفا في نفسه ، فإذا أضيف إليه النية صار يترتب عليه الثواب عند اللّه تعالى . قال : ويسمى الجرم عملا وإن كان منهيا عنه مبعدا عن اللّه تعالى ، لأنه عظيم في ظهوره خيرا أو شرا قال : ولذلك منع بعض العلماء من متأولي الحديث الوضوء حيث استدل به على وجوب النية في الوضوء فقال : لا نسلم أن الوضوء من الأعمال ، بل هو من الأفعال ، والحديث إنما ورد في الأعمال ، وتقريره أن الطهارة شرط ووسيلة لا مقصد في نفسه فلم يصل شرف رتبة المقاصد فليس فيه من الظهور والشرف ما في الصلاة ونحوها . فلا نسلم اندراجه وهو منع مشهور من قبل الحنفية .

فصل [ حد النية ]

في حد النية قال الجوهري : النية العزم ، وقال الخطابي : هي قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له ، وقيل : هي عزيمة القلب ، وقال التيمي : هي وجهة القلب . وقال البيضاوي : هي عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا ، والشرع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه اللّه تعالى وامتثالا لحكمه . وقال النووي : النية القصد وهو عزيمة القلب ، وتعقبه الكرماني بأن المتكلمين قالوا : القصد إلى الفعل هو ما نجده في أنفسنا حال الإيجاد ، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من وجهين فلا يصح تفسيره به . وكلام الخطابي أيضا مشعر بالمغايرة بينهما . وقال العراقي في شرح التقريب : اختلف في حقيقة النية . فقيل : هي الطلب ، وقيل الجد في الطلب ، ومنه قول ابن مسعود : من ينو الدنيا تعجزه أي يجد في طلبها ، وقيل : القصد للشيء بالقلب ، وقيل : عزيمة القلب . وقال الزركشي في قواعده : حقيقة النية ربط القصد بمقصود معين ، والمشهور أنها مطلق القصد إلى الفعل . وقال الماوردي : هي قصد الشيء مقترنا بفعله فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم .

فصل [ جنس النية ]

قال القرافي في كتاب الأمنية : إن جنس النية هو الإرادة وهي الصفة المخصصة لأحد طرفي الممكن بما هو جائز عليه من وجود أو عدم أو هيئة دون هيئة أو حالة دون حالة أو زمان دون زمان ، وجميع ما يمكن أن يتصف الممكن به بدلا من خلافه أو ضده أو نقيضه أو مثله غير أنها في الشاهد لا يجب لها حصول مرادها ، وفي حق اللّه تعالى يجب لها ذلك لأنها في الشاهد عرض مخصوص مصرف بالقدرة إلالهية والمشيئة الربانية هي ومرادها ، وفي حق اللّه تعالى معنى ليس بعرض واجبة الوجود متعلقة بذاتها أزلية واجبة النفوذ فيما تعلقت به ، ثم الإرادة متنوعة إلى العزم والهم والنية والشهوة والقصد والاختيار والقضاء والقدرة والعناية والمشيئة ؛ فهي عشرة ألفاظ .