إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 68
لأن ترك المعصية من الأعمال ، فيحتاج إلى أحسن النيات ، إذ عليها من اللّه تعالى أجزل المثوبات لبلوى النفس فيها واضطرار النفس إليها . قال بعضهم : من أحب أن يعرف ورعه غيره فليس من اللّه في شيء . وروينا في خبر : إن أعجميا مر بنفر قعود يتكلمون بكلام فيه استهزاء وهو يظن أنهم يدعون اللّه عز وجل فقال : مثل ما يقولون بحسن النية . قال : فغفر اللّه تعالى له بحسن نيته . وقال الحسن : من علامة المسلم أن لا يبدره لسانه ولا يسبقه بصره ولا تقصر به نيته . يعني لا تضعف ولا تقعد به عن المسارعة إلى القربات ، هي أبدا في قوة وزيادة وإن قصرت أعماله فيها وعجزت قوى جوارحه . قال : المؤمن تبلغ نيته وتضعف ، والمنافق تضعف نيته وتبلغ قوته . وقال ابن عجلان : العمل لا يصلح إلا بثلاث : التقوى للّه عز وجل ، والنية الحسنة ، والإصابة . وقال أبو عبيدة بن عقبة : من قصده أن يكمل عمله فليحسن نيته ، فإن اللّه تعالى ما جبر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة . وقال بعضهم : القصد إلى اللّه بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال للصلاة والصيام ونحوه . وقال الأنطاكي إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح . وروي عن علي رضي اللّه عنه : من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة . وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى : وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا [ العنكبوت : 27 ] قال نيته الصادقة اكتسب بها الأجر في الآخرة ا ه سياق القوت . فصل [ ورد في مطلق النية أحاديث كثيرة ] قال السيوطي في منتهى الآمال : ورد في مطلق النية أحاديث كثيرة جدا تزيد على عدد التواتر ، فروى البيهقي في السنن من حديث أنس « لا عمل لمن لا نية له » . وروى الشيخان من حديث ابن عباس ، وأحمد من حديث رافع بن خديج ، وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري والطبراني من حديث غزية بن الحارث : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » . وروى الستة من حديث سعد ابن أبي وقّاص « إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه تعالى إلا أجرت فيها » . وروى ابن ماجة من حديث معاوية « إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه » . وروى الأربعة من حديث عقبة بن عامر « إن اللّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة » فذكره وفيه « وصانعه يحتسب في صنعته الأجر » وروى النسائي من حديث أبي ذر وأبي الدرداء « من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى » . فصل قال الشهاب القرافي في كتاب الأمنية في إدراك النية : إنما قال صلّى اللّه عليه وسلم « إنما الأعمال بالنيات » ولم يقل : الأفعال بالنيات لأن عمل معناه فعل فعلا له شرف وظهور وفعل لمطلق الأثر ، ولذلك قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [ الفيل : 1 ] ولم يقل كيف عمل لأنه أثر فيه عقاب واقتصام لا شرف ولا تعظيم . وقال تعالى مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] وأكثر ما ورد في القرآن من ذكر الجزاء بلفظ العمل لا بلفظ الفعل نحو : بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ خالِدِينَ فِيها