شرح
ولنذكر ما يتعلق النية من كتاب القوت مما لم يذكره المصنف ليكون تكميلا للباب ، ثم نتبعه بما في شرح التقريب للحافظ العراقي ، وإدراك الأمنية في النية للشهاب القرافي ، ومنتهى الآمال للحافظ السيوطي رحمهم اللّه تعالى .
قال صاحب القوت : روينا في الخبر من طريق آل البيت : لا يقبل اللّه قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية ، فينبغي أن يكون للعبد في كل شيء نية حتى في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه ونكاحه ، فإن ذلك كله من أعماله التي يسأل عنها ، فإن كانت للّه وفي اللّه كانت في ميزان حسناته ، وإن كانت في سبيل الهوى ولغير المولى كانت في ميزان سيئآته ، إذ لكل عبد ما نوى ، وإن كان ذلك غفلة وسهوا من غير نية ولا عقد طوية ولا عفة لم يكن له في ذلك شيء ولم يجد عمله في الآخرة شيئا ، وكان فيه لا له ولا عليه ، وكان ذلك في الدنيا على مثال الأنعام التي تتصرف عن غير عقول ولا تكليف ولكن بالهام وتوفيق ، وأخاف أن يدخل في وصف من قال اللّه تعالى فيهأَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[ الكهف : 28 ] قيل مجازفته قدما قدما من غير تمييز وقيل : أي غفلة وسهوا ، وقيل تفريطا وتضييعا ، وقيل مقدما إلى الهلاك ، فالنية الصالحة هي أول العمل ، وأول العطاء من اللّه تعالى وهي مكان الجزاء . وقال بعض السلف : رأيت الخير إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا وإن لم تنصب رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية . وقال داود الطائي : البر همته التقوى ولو تعلق جميع جوارحه بالدنيا الردية لردته نيته يوما إلى نية صالحة ، فكذلك الجاهل باللّه وأيامه همه الدنيا والهوى ولو تعلقت جوارحه بكل أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا وموافقة الهوى لأن سرها كان همة النفس لعاجل عرض الدنيا ، وقال محمد بن الحسين : ينبغي للرجل أن تكون نيته بين يدي عمله . وقال بعض العلماء : أطلب النية قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير ، وقال بعض التابعين : قلوب الأبرار تغلي بالبر وقلوب الفجار تغلي بالفجور واللّه مطلع على نياتهم فيثيبهم على قدر ذلك ، فانظر ما همك وما نيتك . وقد روينا عن اللّه تعالى في بعض الكتب قال : ليس كل كلام الحكيم أتقبل ، ولكني أنظر إلى همه وهواه فمن كان همه وهواه لي جعلت همته ذكرا ونظره عبرا . وسئل سفيان الثوري : هل يؤخذ العبد بالنية ؟ قال : نعم إذا كان عزما أخذ بها ، فأول سلطان العدو على القلب عن فساد النية ، فإذا تغيرت من العبد طمع فيه فيتسلط عليه ، وأول ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف النية ، فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى ، وإذا قويت النية صح العزم وضعفت صفات النفس ، وفي الأثر : من عمل عملا لا يريد به وجه اللّه لم يزل في مقت من اللّه حتى يفرغ ، ولو لم يكن في تجديد النية الحسنة إلا أن صاحبها لا يزال عاملا من عمال اللّه بقلبه وهمه وإن لم يساعده القدر على الأفعال بجوارحه فيكون أبدا مأجورا ولو لم يكن في نية الشر إلا أن صاحبها في بطالة وخسارة ، وإن لم يساعده المقدور على الأفعال السيئة بجوارحه أبدا خاسرا مأزورا ، نعوذ باللّه من ذلك . ولقد كان السلف لشدة تفقدهم وحسن رعايتهم صادقين في ترك كثير من أعمال البر