تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
الحاذق بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطب وإنما يبتغي به أن يعيد أولا قوته ليحتمل المعالجة بالضدّ ، والحاذق في لعب الشطرنج مثلا قد ينزل عن الرخ والفرس مجانا ليتوصل بذلك إلى الغلبة ، والضعيف البصيرة قد يضحك به ويتعجب منه . وكذلك الخبير بالقتال قد يفر بين يدي قرينه ويوليه دبره حيلة منه ليستجره إلى مضيق فيكرّ عليه فيقهره فكذلك سلوك طريق اللّه تعالى كله قتال مع الشيطان ومعالجة للقلب والبصير الموفق يقف فيها على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء ، فلا ينبغي للمريد أن يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه ولا للمتعلم أن يعترض على أستاذه ، بل ينبغي أن يقف عند حد بصيرته وما لا يفهمه من أحوالهما يسلمه لهما إلى أن ينكشف له أسرار ذلك بأن يبلغ رتبتهما وينال درجتهما ومن اللّه حسن التوفيق .
شرح
ونقادهم ، وهم العلماء ببطن العلم وغوامض التعريف ( دون الحشوية منهم ) الذين يتعلقون بالقشور دون اللباب ، ( بل الحاذق بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطب ) ويقول : كيف يداوي بما يضره ، ( وإنما يبتغي به أن يعيد أولا قوته ) إن كان هناك ضعف مزاج ( ليحتمل المعالجة بالضد ) ولو عالجه بما يدفع حرارته ولا قوة عنده لاحتمال ذلك العلاج لأضره ، ( والحاذق في لعب الشطرنج مثلا قد ينزل ) في لعبه ( عن الرخ والفرس مجانا ) أي بلا عوض مثلهما والرخ والفرس من أقوى ما يقاتل به اللاعب لكثرة أعمالهما في الرقعة ، وإنما يفعل ذلك مع كمال احتياجه إليهما ( ليتوصل بذلك إلى الغلبة ) على نديده ، ( والضعيف البصيرة قد يضحك به ويتعجب منه ) وسببه عدم نفوذ بصيرته ، وقد يتفق أنه ينزل عن الفيل في مقابلة البيدق لأمر ما ومن لا خبرة له ينكر ذلك ، ( وكذلك الخبير بالقتال ) أي بأموره ( وقد يفر بين يدي قرينه ويوليه دبره حيلة منه ) لا جبنا ( ليستجره إلى مضيق فيكر عليه فيقهره ) وتارة إلى متسع ليملك غرضه في حرية فيغلب عليه فإن الحرب خدعة كما ورد ، ( فكذلك سلوك طريق اللّه تعالى ) فإنك إذا نظرت بعين التأمل فإنه ( كله قتال مع الشيطان ) ومحاربة معه ( ومعالجة للقلب ) بالتصفية والتهذيب عن الرذائل ، ( والبصير الموفق يقف فيها ) في أثناء سلوكه ( على لطائف من الحيل ) ودقائق ( يستبعدها الضعفاء ) ويستنكرونها ، ( فلا ينبغي للمريد أن يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه ) يفعله مع نفسه أو مع مريده في حركاته وسكناته وإلا فلا يفلح أبدا ، ( ولا للمتعلم أن يعترض على أستاذه ) ولو بقوله : لم كان كذا وإلا فلا يفلح أبدا ، ( بل ينبغي أن يقف عند حد بصيرته ) ولا يخطر بباله شيء من الإنكار ( وما لا يفهمه من أحوالهما ) أي الشيخ والمعلم ( يسلمه لهما إلى أن تنكشف له أسرار ذلك ) ولو بعد حين ( بأن يبلغ رتبتهما وينال درجتهما ) كما أفصح عنه القشيري في آخر الرسالة في آداب المريدين ( ومن اللّه حسن التوفيق ) .