رأى ربه عز وجل في المنام فقال له : كل الناس يطلبون مني الجنة إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ، ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال : يا رب كيف الطريق إليك ؟ فقال أترك نفسك وتعال إليّ . ورؤي الشبلي بعد موته في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : لم يطالبني على الدعاوي بالبرهان إلا على قول واحد : قلت يوما أي خسارة أعظم من خسران الجنة ؟ فقال أي خسارة أعظم من خسران لقائي . والغرض أن هذه النيات
شرح
وقال صاحب القوت : وليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو توقف عن الإقدام عليه ابتغاء مرضاة اللّه تقربا إليه لأجل اللّه تعالى ، فهذا أعلى النيات وهو غاية الإخلاص ، ومن أراد بأعماله ما عند اللّه تعالى من ثواب الآخرة من حظوظ نفسه ومعاني شهواته ولذته من النعيم في الجنان واتخاذ الحور الحسان مما وصفه اللّه تعالى وندب إليه لم يقدح ذلك في إخلاصه ولم يغير صحة نيته من قبل أن اللّه تعالى مدحه ورغب فيه ووصفه كان ذلك مزيد مثله إلا أن هذا نقص في مقام المحبين عندهم ، وعيب كعيب من عمل لعاجل حظه من دنياه وهو شرك في إخلاص الموحدين الذين اختصوا بالعبودية فعتقوا من أسر الهوى بالحرية ، فلم يسترقهم سوى الوحدانية لما شهدوا من خالص الربوبية وخلاص العبودية للربوبية أشد من إخلاص المعاملة إلا أن من رزق المقام منها دخل بحقيقة إخلاص المعاملة مزورة فلا تنقية ولا تصفية ولا عمل ولا مجاهدة فكانوا مخلصين ، وهذا مقام المحبين . وإنما أتعب المريدين بالتنقية والتصفية للمعاملة لما بقي من الشرك الخفي والشهوة الخفية كما أتعب خدام الدنيا بالجمع لما استرقهم من الهوى ، فأما الأحرار فهم من مذمة الخلق برآء وهذا يذهب الإخلاص ويفسد النية ويدخل الانتقاص انتهى .
( وحكي أن ) أبا حامد ( أحمد بن خضرويه ) البلخي رحمه اللّه تعالى من كبار مشايخ خراسان صحب أبا تراب النخشي قدم نيسابور وزار أبا حفص وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي وكان كبيرا في الفتوة ، وكان أبو يزيد يقول : أستاذنا أحمد مات سنة أربعين ومائتين عن خمس وتسعين سنة ترجمه القشيري في الرسالة . ( رأى ربه في المنام فقال له ) : يا أحمد ( كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد ) يعني البسطامي ( فإنه يطلبني ) نقله القشيري ، ( ويحكى ) أنه ( رأى أبو يزيد ) البسطامي رحمه اللّه تعالى ( ربه في المنام فقال : يا رب كيف الطريق إليك ) ؟ أي دلني على طريق الوصول إليك ، كما قال القائل مشيرا إلى هذا المقام :يا من هواه أعزه وأذلني * كيف الطريق إلى وصالك دلني( فقال : اترك نفسك وتعال . ورؤي ) أبو بكر ( الشبلي ) قدس سره ( بعد موته في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : لم يطالبني على الدعاوى بالبرهان إلا على قول واحد .
قلت يوما ) من الأيام : ( أي خسارة أعظم من خسران الجنة ) أي لا أعظم من خسارة من غفل عنها بعد أن أمكنه تحصيلها ، ( فقال ) تعالى : ( بل أي خسران أعظم من خسران لقائي ) وذلك لأن لقاء اللّه تعالى والنظر إلى وجهه أعظم من نعيم الجنة . ( والغرض أن هذه النيات