متفاوتة الدرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها ربما لا يتيسر له العدول إلى غيرها ، ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا لا يستنكرها الظاهريون من الفقهاء ، فإنا نقول : من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى وانتقلت الفضيلة إليه وصارت الفضيلة في حقه نقيضة لأن الأعمال بالنيات . وذلك مثل العفو فإنه أفضل من الانتصار في الظلم ، وربما تحضره نية في الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل . ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويتقوّى على العبادات في المستقبل وليس تنبعث نيته في الحالين للصوم والصلاة فالأكل والنوم هو الأفضل له . بل لو مل العبادة لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطه فاللهو أفضل له من الصلاة . قال أبو الدرداء : إني لاستجم نفسي بشيء من اللهو ، فيكون ذلك عونا لي على الحق . وقال علي كرّم اللّه وجهه : روّحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت . وهذه دقائق لا يدركها إلا سماسرة العلماء دون الحشوية منهم ، بل
شرح
متفاوتة الدرجات ) منها أعلى ومنها دون وبينهما أوساط ، ( ومن غلب على قلبه واحدة منها لم يتيسر له العدول إلى غيرها ) لاستغراقه بها . ( ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا يستنكرها الظاهريون من الفقهاء ) أي الذين يتكلمون في ظاهر الفقه ( فإنا نقول : من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى ) وأفضل حينئذ ( و ) قد ( انتقلت الفضيلة إليه ) أي انتقل المعنى فصار المباح هو الفضيلة ، ( وصارت الفضيلة في حقه نقيصة ) أي صارت الفضيلة هي النقصية لعدم النية فيها ، ( لأن الأعمال بالنيات ، وذلك مثل العفو فإنه أفضل من الانتصار في الظلم ) أي أن يكون رجل قد ظلم فله أن ينتصر وإن عفا كان أفضل ، ( وربما تحضره نية في الانتصار ) لعجزه عن كسب النية باستحضار فضيلة العفو وما ورد فيها من المثوبات والقربات ( دون العفو فيكون ذلك أفضل ) لوجود النية فيها ، ( ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويقوى ) بها ( على العبادات في المستقبل ) لوقت آخر ، ( وليس تنبعث نيته في الحالين للصوم والصلاة ، فالأكل والنوم ) صار ( هو الأفضل له ، بل لو مل العبادة لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطه ) وقوته إلى أوله ، ( فاللهو ) حينئذ ( أفضل من الصلاة .
قال أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه : ( إني لأستجم نفسي ) أي أطلب جمامها أي راحتها ( بشيء من اللهو ليكون ذلك عونا على الحق ) نقله صاحب القوت إلا أنه قال ببعض اللهو . ( وقال علي رضي اللّه عنه : روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت ) نقله الشريف في نهج البلاغة .
وروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس « روحوا القلوب ساعة وساعة » ويشهد له ما في صحيح مسلم « يا حنظلة ساعة وساعة » . ( وهذه دقائق لا يعرفها إلا سماسرة العلماء )