المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها ، بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فقط وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ، ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعم بالنظر إلى الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين ! بل أشدّ ، فإن التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين أشدّ وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين ، بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالطة الحسان وإعراضهم عن جمال وجه اللّه الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وإلفها لها وإعراضها عن النظر إلى جمال وجوه النساء ، فعمي أكثر القلوب عن إبصار جمال اللّه وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء . فإنها لا تشعر به أصلا ولا تلتفت إليه ، ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهنّ
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
[ هود : 118 ]
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ المؤمنون : 53 ]
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
[ هود : 119 ] ، حكي أن أحمد بن خضرويه
شرح
مؤكدات وروادف ) أي توابع ، ( وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها ) ولم يعيروا طرفهم إليها ، ( بل هم الذين ) قال اللّه تعالى في حقهم :
(يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) في طرفي النهار( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [ الأنعام : 52 ] أي يقصدون وجهه ( فقط ) لا غير وليس لهم التفات إلا إليه ( وثواب الناس بقدر نياتهم ) فمن كانت نيته أشرف أثابه اللّه ما يناسب حسن معرفته وقصده ، ( فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كمن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين بل أشد ) وأعظم ، ( فإن التفاوت بين جمال الحضرة الربوبية وجمال الحور العين أشد وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين ) إذ لا مناسبة بين المقامين ، ( بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية ) التي جبلت على شهواتها كالبهائم ( لقضاء الوطر من مخالطة الحسان ) بالضم والتقبيل والوقاع ( وإعراضها عن جمال وجه اللّه الكريم يضاهي استعظام الخنفساء ) وهي دويبة منتنة تعبث بالأقذار وأشد حرصها برجليها ( لصاحبتها وإلفها لها ) وأنسابها ( وإعراضها عن النظر إلى وجوه النساء ) الحسان ، ( فعمى أكثر القلوب عن إبصار جمال اللّه وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء فإنه لا تشعر به أصلا ولا تلتفت إليه ) أبدا والجنسية علة الضم ، ( ولو كان لها عقل وذكرت لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهن ) وقد صدق اللّه تعالى في قوله :
(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَوَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ[ هود : 119 ] .