بعد . وقال عيسى بن كثير : مشيت مع ميمون بن مهران فلما انتهى إلى باب داره انصرفت فقال ابنه : ألا تعرض عليه العشاء ؟ قال : ليس من نيتي . وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية ، وكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلا بنية لعلمهم بأن النية روح العمل وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب ، وعلموا أن النية ليست هي قول القائل بلسانه : نويت ، بل هو انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من اللّه تعالى ، فقد تتيسر في بعض الأوقات وقد تتعذر في بعضها ، نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبا . ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد
شرح
الطريق قال : قال رجل لطاوس : ادع اللّه لنا . قال : ما أجد لقلبي حسبة فأدعو لك أي نية . ( وقال بعضهم أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد ) وهذا لصعوبة اكتساب النية ، ولهذا قال يوسف بن أسباط : تخلص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد .
( وقال ) ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا خلف بن حبان ، حدثنا ( عيسى بن كثير ) الأسدي الرقي قال : ( مشيت مع ميمون بن مهران ) الجزري كاتب عمر ابن عبد العزيز إمام جليل ثقة روى له الجماعة إلا البخاري ، ففي الأدب المفرد حتى أتى باب داره ومعه ابنه عمرو ، ( فلما انتهى إلى باب داره انصرف فقال ) له ( ابنه ) لما رأى انصرافي وابنه هذا هو عمرو بن ميمون بن مهران الجزري أبو عبد اللّه وأبو عبد الرحمن سبط سعيد بن جبير ثقة فاضل ، روى له الجماعة مات سنة سبع وأربعين : يا أبت ( ألا تعرض عليه العشاء ؟ قال : ليس ) ذلك ( من نيتي وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية . وكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلا بنية ) لأنهم كانوا يستحبون أن تكون لهم في كل شيء نية ، حتى قال الفضيل بن عياض : لا نتحدث إلا بنية ( لعلمهم بأن النية روح العمل ) فلا يصح بقاؤه بدونها ، ( وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت ) أي بعد عن اللّه تعالى ( لا سبب قرب ، وعلموا أن النية ليس هي قول القائل بقلبه : نويت ) ولا قوله كذلك بلسانه ، ( بل هو انبعاث القلب ) للغرض المطلوب ( يجري مجرى الفتوح من اللّه ) تعالى ، ( فقد تتيسر في بعض الأوقات وقد تتعذر في بعضها ) إذ ليست داخلة تحت الاختيار . ( نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين ) والنظر إلى الآخرة ( تيسر عليه في أكثر الأحوال ) والأوقات ( إحضار النية للخيرات ، فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث ) لذلك ( إلى التفاصيل غالبا ، ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه ) وقصر نظره عليها ( لم يتيسر له ذلك بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد ) لاشتغال باطنه بأمور الدنيا ، ( وغايته أن يتذكر