تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فقال : لو كان لي نية لفعلت . وكان أحدهم إذا سئل عملا من أعمال البر . يقول : إن رزقني اللّه تعالى نية فعلت . وكان طاوس لا يحدّث إلا بنية ، وكان يسأل أن يحدّث فلا يحدّث ، ولا يسأل فيبتديء ! فقيل له : في ذلك قال : أفتحبون أن أحدّث بغير نية ، إذا حضرتني نية فعلت . وحكي أن داود بن المحبّر لما صنّف كتاب العقل ، جاءه أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحا ورده فقال : ما لك ؟ قال : فيه أسانيد ضعاف ، فقال له داود : أنا لم أخرجه على الأسانيد ، فأنظر فيه بعين الخبر إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت ، قال أحمد : فرده حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت فأخذه ومكث عنده طويلا ثم قال : جزاك اللّه خيرا فقد انتفعت به . وقيل لطاوس : ادع لنا ! فقال : حتى أجد له نية . وقال بعضهم : أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي
شرح
( وكان أحد علماء الكوفة ) فقيه صدوق ، روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة ، مات سنة عشرين أو قبلها ، ( فقيل للثوري ) سفيان : ( ألا تشهد جنازته ؟ فقال : لو كان لي نية لفعلت ) نقله صاحب القوت . ( وكان أحدهم إذ سئل عملا من أعمال البر فقال : إن رزقني اللّه تعالى نية فعلت ) ولفظ القوت : وكان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء أو سعي فيه يقولون : إن رزقنا اللّه نية فعلنا ذلك . ( وكان طاوس ) بن كيسان اليماني رحمه اللّه تعالى ( لا يحدث إلا بنية ، وكان يسأل أن يحدث ولا يسأل فيبتدىء فقيل له في ذلك ، قال : أفتحبون أن أحدث بغير نية إذا حضرتني نية فعلت . وحكي أن ) أبا سليمان ( داود بن المحبر ) بن حزم الثقفي البكراوي البصري نزيل بغداد متروك . قال ابن حبان : كان يضع الحديث على الثقات ، مات سنة ست ومائتين ، روى له أبو داود في كتاب القدر ، وابن ماجة وقد تقدم له ذكر وترجمة في آخر كتاب العلم ( لما صنف كتاب العقل ) وهو كتاب صغير الحجم يذكر فيه فضائل العقل وما ورد فيها من الأخبار والآثار ، وقد تقدم الكلام على هذا الكتاب أيضا في أواخر كتاب العلم . وقال الحافظ في التهذيب : إن أكثره موضوعات . ( جاءه ) الإمام ( أحمد بن حنبل ) رحمه اللّه تعالى ( فطلبه منه فنظر فيه ) أحمد ( صفحا ) بالضم أي تصفحه كله ( فرده ) إليه ( فقال ) ابن المحبر : ( مالك قال : فيه أسانيد ضعاف ، فقال داود : أنا لم أخرجه على الأسانيد فانظر فيه بعين الخبر ) بالضم أي الاختبار ( إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت به . قال أحمد : فرده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت ) بها فرده عليه ( فأخذه ومكث عنده ) زمانا ( طويلا ) حتى اقتضاه إياه ابن المحبر فرده عليه ( ثم قال : جزاك اللّه خيرا فقد انتفعت به ) منفعة بينة . نقله صاحب القوت فدل ذلك على أن النيات قد تختلف لاختلاف المقاصد فيصير بعدا ما كان قربا بحسن النية وما كان حسنا سيئا لسوء النية به . ( وقيل لطاوس ) اليماني رحمه اللّه تعالى : ( ادع لنا . قال : حتى أجد له نية ) رواه ابن المبارك في الزهد من طريق داود بن شابور قال : قلنا لطاوس : ادع بدعوات . فقال : لا أجد لذلك حسبة أي نية . وروى ابن أبي شيبة من هذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 59 | مرتضى الزبيدي