تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار : اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات » فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله : نويت أن أدرس للّه أو أتجر للّه أو آكل للّه ، ويظن أن ذلك نية وهيهات فذلك حديث نفس وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر ، والنية بمعزل من جميع ذلك . وإنما النية انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا . والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة ، بل ذلك كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام وأميل إليه ، أو قول الفارغ : نويت أن أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبي ، فذلك محال . بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك مما قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه . وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها ، وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده . وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين ، وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف
شرح

بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار :

( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن الجاهل ) قد ( يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع ) سماع ( قوله صلّى اللّه عليه وسلم « إنما الأعمال بالنيات » ) فيحدث نفسه بذلك ( فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله ) مثلا : ( نويت أن أدرس للّه أو أتجر للّه أو آكل للّه ، ويظن أن ذلك نية ) وكذا في كل حركة وسكون من حركاته وسكناته . ( وهيهات ! فذلك حديث نفس أو حديث لسان أو ) حديث ( فكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر ) لا ثواب فيه ، ( والنية بمعزل عن جميع ذلك . وإنما ) حقيقة ( النية انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها ) أي انصراف الداعية إلى الغرض المطلوب ( إما عاجلا أو آجلا ) وذلك لا يكون إلا بحسب الهمة وقوة الإيمان وغلبة حب اللّه تعالى والآخرة ، ( والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة بل ذلك كقول الشبعان : نويت ) أن أشتهي ( الطعام وأميل إليه ، أو قول الفارغ ) البال عن العشق ( نويت أن أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبي فذلك محال بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه ، وذلك مما قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه ، وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها ، وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين ، وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل