فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك ، وراقب أحوالك ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أوّلا أنك لم تتحرك ، وما ذا تقصد ، وما الذي تنال به من الدنيا ، وما الذي يفوتك به من الآخرة ، وبما ذا ترجح الدنيا على الآخرة . فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدّين فامض عزمك وما خطر ببالك وإلا فامسك ، ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وامتناعك فإن ترك الفعل فعل ولا بدّ له من نية صحيحة ، فلا ينبغي أن يكون لداعي هوى خفي لا يطلع عليه ، ولا يغرنك ظواهر الأمور ومشهورات الخيرات وافطن للأغوار والأسرار تخرج من حيز أهل الاغترار . فقد روي عن زكريا عليه السلام إنه كان يعمل في حائط بالطين ، وكان أجير القوم فقدموا له رغيفا إذ كان لا يأكل إلا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ ، فتعجبوا منه لما علم من سخائه وزهده وظنوا أن الخير في طلب المساعدة في الطعام ، فقال : إني أعمل لقوم بالأجرة وقدموا إلي الرغيف لأتقوى به على عملهم ، فلو أكلتم معي لم
شرح
الآن ) وأنت في الدنيا ( ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك ، وراقب أحوالك ) مراقبة من يتحقق باطلاع مولاه عليها ، ( ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أولا أنك لم تتحرك ) أي لأي شيء حركتك هذه ، ( وما ذا تقصد ) بهذه الحركة ، ( وما الذي تنال به من الدنيا ، وما الذي يفوتك به من الآخرة ، وبما ذا ترجح الدنيا على الآخرة . فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدين فامض عزمك ) وقصدك ( وما خطر ببالك ، وإلا فامسك ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وامتناعك فإن ترك الفعل فعل ولا بد له من نية صحيحة ، فلا ينبغي أن يكون لداعي هوى خفي ) في النفس ( لا يطلع عليه ) وفي القوت : ولا ينبغي للعبد أن يدخل في كل شيء حتى يعلم علمه فيكون داخلا في كل عمل بعلم مثله ، لأن للّه في كل شيء حكما فما علم من ذلك حمد اللّه عليه عمله ، وما جهل سأل عنه من هو أعلم به ، وما أشكل عليه أمسك عنه حتى يتبين له وجهه فيقدم عليه أو يتركه ، وليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو توقف عن الإقدام عليه ابتغاء مرضاة اللّه وتقربا إليه لأجله فهذا على النيات . ( ولا تغرنك ظواهر الأمور ومشهورات الخيرات وأفطن للأغوار والأسرار ، فقد روي ) في بعض الأخبار ( أن زكريا عليه السلام كان يعمل في حائط بالطين ، وكان أجير القوم فقدموا إليه ) أي أصحاب الحائط ( رغيفه ) أي غذاءه ( إذ كان لا يأكل إلا من كسب يده ) وقد اشتهر أنه عليه السلام كان نجارا فلعله أيضا كان بناء ، ( فدخل عليه قوم ) فسلموا عليه ( فلم يدعهم إلى الطعام ) الذي بين يديه ( حتى فرغ ) من الأكل ( فتعجبوا منه ) حيث لم يدعهم إلى الطعام ( لما علموا من سخائه وزهده ، وظنوا أن الخير في طلب المساعدة في الطعام ) ففهم عنهم ما قام بذهنهم فاعتذر لهم ، ( فقال : إني أعمل لقوم بالأجرة وقد قدموا إلي الرغيف لأتقوى به على