يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم فالبصير هكذا ينظر في البواطن بنور اللّه ، فإن ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض وقال بعضهم : دخلت على سفيان وهو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه ثم قال : لولا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه . وقال سفيان : من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه فإن أجابه فأكل فعليه وزران وإن لم يأكل فعليه وزر واحد ، وأراد بأحد الوزرين النفاق وبالثاني تعريضه أخاه لما يكره لو علمه . فهكذا ينبغي أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال فلا يقدم ولا يحجم إلا بنيته ، فإن لم تحضره النية توقف فإن النية لا تدخل تحت الاختيار .
شرح
عملهم ، فلو ) دعوتكم إليه و ( أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني و ) كنت قد ( ضعفت عن عملهم ) . ولفظ القوت : وروي عن زكريا عليه السلام أن قوما دخلوا عليه وكان يعمل في حائط لقوم بالطين ، وكان صانعا يأكل من كد يديه فقدم إليه عندهم رغيفان جعل يأكل ولم يدعهم حتى فرغ ، فسألوه عن ذلك لعلمهم بزهده وكرمه فقال : إني أعمل لقوم بأجرة وقربوا إلي هذين الرغيفين لأتقوى بهما على عملهم ، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم ا ه .
( فالبصير هكذا ينظر إلى البواطن بنور اللّه ) عز وجل ( فإن ضعفه عن العمل نقص في فرض ، وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض ) . ولفظ القوت ؛ فهذا ممن ترك نفلا لفرض وإن كانت له نية في الترك كما تكون له في الفعل . ( وقال بعضهم : دخلت على سفيان ) ظاهر إطلاقه أن المراد به الثوري وليس كذلك ، ففي القوت دخلت على سفيان أبي عاصم وهو سفيان بن عبد الرحمن بن عاصم بن سفيان بن عبد اللّه الثقفي المكي ، روى له النسائي وابن ماجة ( وهو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه ) أي فرغ من الأكل ، ( ثم قال : لولا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه ) نقله صاحب القوت ، وهذا أيضا يعرفك النظر إلى البواطن دون الظواهر . ( وقال سفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى : ( من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه ) ولفظ القوت : وليس له نية أن يأكل منه والمعنى ليس له رغبة في إجابته ( فإن أجابه وأكل فعليه وزران وإن لم يأكل ) ولفظ القوت وإن لم يجبه ( فعليه وزر واحد ، وأراد بأحد الوزرين النفاق وبالثاني تعريضه أخاه لما يكره لو علمه ) ولفظ المقاصد : وبالثاني أنه أطعم أخاه ما لو علمه لم يأكله . ولفظ القوت : فيصير عليه وزرين مع أكل طعامه بغير نية لتعرضه بالمقت وحمله أخاه على ما يكره إذ لو « 1 » لما أجابه .
( فهكذا ينبغي أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال ) والأحوال ( فلا يقدم ولا يحجم ) عن الإقدام ( إلا بنية ) إن كان مريد السعادة الآخرة ، ( فإن لم تحضره النية توقف فإن النية لا تدخل تحت الاختيار ) واللّه الموفق .
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .