وثامنها : أن يترك الذنوب حياء من اللّه تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت اللّه ما يقتضي هتك الحرمة ، وقد قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه اللّه إحدى سبع خصال : أخا مستفادا في اللّه ، أو رحمة مستنزلة ، أو علما مستظرفا ، أو كلمة تدله على هدى ، أو تصرفه عن ردى ، أو يترك الذنوب خشية أو حياء ، فهذا طريق تكثير النيات ، وقس به سائر الطاعات والمباحات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة ، وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمّره له وتفكره فيه . فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات .
شرح
( وثامنها : أن يترك الذنوب حياء من اللّه تعالى وخشية ) أي خوفا ( من أن يتعاطى في بيت ) من بيوت ( اللّه ما يقتضي هتك الحرمة ) وذلك من تقوى القلوب ، وقد يكون ترك الذنوب لا من باب الحياء بل من باب الخشية من عذاب اللّه تعالى لو تعاطى شيئا من المخالفات في المساجد ، ( وقال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه اللّه إحدى سبع خصال : أخا مستفادا في اللّه ، أو رحمة مستنزلة ، أو علما مستطرفا ، أو كلمة تدله على هدى ، أو تصرفه عن ردى ، أو يترك الذنوب خشية أو حياء ) منه . نقله صاحب القوت .
قلت : وهذا روي مرفوعا من حديثه رواه الطبراني في الكبير وابن عساكر من طريق سعد بن طريف عن عمير بن المأمون عن الحسن بن علي ، وعمير لا شيء وسعد متروك . ( فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات والمباحات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة ، وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير والتشمر له وتفكره فيه ، فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات ) وهي طريقة العلماء الذين تفردوا لذكر اللّه لا يعرفها غيرهم قد وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا .
الضرب الثاني : في مضاعفة الفضل ، لم يشر إليه المصنف وهو لا بد من ذكره ، وذلك أنه قد تقدم أن الجزاء في الآخرة على قدر النيات ، وتقدم أن النية تتبع المعرفة ، والمعرفة تتبع الغرض المطلوب وتمهد في الشريعة أن الجزاء الواقع في الآخرة موازن لأعمال العباد ومناسب له ، كما ورد :
أن الصائمين يدخلون الجنة من باب الريان ، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، وأن المتكبرين على صور الذر ، وأمثال هذا لا تنحصر ، فإذا حققت أن العبد إذا لم يقصد بعلمه إلا امتثال أمر اللّه حياء منه وتعظيما لجلاله وكبريائه وكماله في ذاته وصفاته وجميع أفعاله ، وأنه المستحق لذلك بصفات الألوهية على عباده ، كان ذلك مع أفضل النيات وأشرف القربات ، وأثابه اللّه ما يناسب حسن معرفته وقصده من النظر إلى وجهه جل سبحانه ، ومن ضعفت بصيرته عن ذروة الكمال حتى لم يعرف من شهادة الآخرة إلا اللذات الحسية دل عليه أنه لم يعرف من نعيم الجنان إلا أقل المراتب وأخفض المنازل ، فإذا قصد بطاعته ذلك صحت نيته ونقصت عن درجات الكمال مع صحتها في نفسها ، فإن الإنسان يطلق عليه الصحة والحياة وهو فاقد لجميع المحاسن المكملة لصورة الرجال .