تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وثانيها : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في جملة انتظاره في الصلاة وهو معنى قوله تعالى :
وَرابِطُوا
[ آل عمران : 200 ] . وثالثها : الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات ، فإنّ الاعتكاف كف وهو في معنى الصوم وهو نوع ترهب . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « رهبانية أمتي القعود في المساجد » . ورابعها : عكوف الهم على اللّه ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد .
شرح
( وثانيها : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في جملة انتظاره ) كأنه ( في الصلاة ) ، فقد روى ابن جرير من حديث أبي هريرة « من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة ، والملائكة تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث » وروى مالك في الوطأ وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي والضياء من حديث عبد اللّه بن سلام وأبي هريرة « من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى تصلى » . وروى عبد بن حميد وابن جرير والطبراني من حديث سهل بن سعد « من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة » وروى عبد بن حميد من حديث جابر « المرء في صلاة ما انتظرها » . ( وهو معنى قوله تعالىوَرابِطُوا) روى ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طريق داود بن صالح قال أبو سلمة تدري في أي شيء نزلت هذه الآيةاصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُواقلت : لا . قال : سمعت أبا هريرة يقول : لم يكن في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم غزو يرابطون فيه ، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون اللّه فيها ، فعليهم أنزلت( اصْبِرُوا )أي على الصلوات الخمس( وَصابِرُوا )أنفسكم وهواكموَرابِطُوافي مساجدكموَاتَّقُوا اللَّهَفيما عليكملَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .وروى ابن جرير من حديث جابر وعلي : « ألا أدلكم على ما يمحو اللّه به الخطايا ويكفر به الذنوب ؟ قلنا : بلى يا رسول اللّه . قال « إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط » . ورواه ابن مردويه من حديث أبي أيوب وفيه « فذالكم هو الرباط في المساجد » ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة وفيه « فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط » . وروى ابن أبي حاتم عن أبي غسان قال : إنما نزلت هذه الآية في لزوم المساجد . ( وثالثها : الترهب بكف السمع والبصر ) عن المنهيات ( والإغضاء عن الحركات والترددات ، فإن الاعتكاف كف ) أي منع ، فمن دخل المسجد ونوى الاعتكاف فقد كف نفسه عن المنهيات فيكون ذلك من الفائزين ، ( وهو في معنى الصوم ) الذي هو منع النفس عن الشهوات ( وهو نوع ترهب ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « رهبانية أمتي القعود في المساجد » ) كذا في القوت . وقال العراقي : لم أجد له أصلا . ( ورابعها : عكوف الهم على اللّه ) بأن لا يخطر بقلبه غير اللّه ( ولزوم السر ) وهو باطن القلب ( للفكر في ) أمور ( الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد ) فيكون بذلك من الأقربين .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 44 | مرتضى الزبيدي