تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
معرفة انكشفت له ويفرح بها ، ولو قيل له : ما معنى الطبع وما الذي خلقه ؟ ومن الذي خلق الماء الذي طبعه الثقل ؟ وما الذي رقى الماء المصبوب في أسافل الشجر إلى أعالي الأغصان وهو ثقيل بطبعه ؟ فكيف هوى إلى أسفل ثم ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث لا يرى ولا يشاهد حتى ينتشر في جميع أطراف الأوراق فيغذي كل جزء من كل ورقة ، ويجري إليها في تجاويف عروق شعرية صغار يروي منه العرق الذي هو أصل الورقة ، ثم ينتشر من ذلك العرق الكبير الممدود في طول الورقة عروق صغار فكأن الكبير نهر وما انشعب عنه جداول ، ثم ينشعب من الجداول سواق أصغر منها ، ثم ينتشر منها خيوط عنكبوتية دقيقة تخرج عن إدراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورقة فيصل الماء في أجوافها إلى سائر أجزاء الورقة ليغذيها وينميها ويزينها وتبقى طراوتها ونضارتها ، وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه . فإن كان الماء يتحرك بطبعه إلى أسفل فكيف تحرك إلى فوق ؟ فإن كان ذلك يجذب جاذب فما الذي سخر ذلك الجاذب وإن كان ينتهي بالآخرة إلى خالق السماوات والأرض وجبار الملك والملكوت فلم لا يحال عليه من أوّل الأمر ؟ فنهاية الجاهل بداية العاقل .
شرح
والثقيل بطبعه لا محالة يهوي إلى تحت ( يظن أن هذه معرفة انكشفت له ويفرح بها ) كما يقول : إن الحجر إذا رمي إلى فوق فبقدر قوة الرامي يصعد إلى فوق ثم يغلب عليه طبعه فيهوي ساقطا . ( ولو قيل له : ما معنى الطبع ، وما الذي خلقه ؟ ومن الذي خلق الماء الذي طبعه الثقل ، وما الذي رقي الماء المصبوب في أسافل الشجر إلى أعالي الأغصان وهو ثقيل بطبعه فكيف هوى إلى أسفل ثم ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار ) على التدريج ( شيئا فشيئا بحيث لا يرى ولا يشاهد حتى ينتشر في جميع أطراف الأوراق ) من سائر أغصان الشجر ، ( فيغذي كل جزء من ورقة ويجري إليها في تجاويف عروق شعرية صغار ) أي تشبه الشعر في الدقة ( يروي منه العرق الذي هو أصل الورقة ، ثم ينتشر من ذلك العرق الكبير الممدود في طول الورق عروق صغار ) تمتد منه ، ( فكأن الكبير نهر وما انشعب عنه ) من تلك العروق ( جداول ، ثم يتشعب من الجداول سواقي أصغر منها ، ثم تنتشر منها خيوط عنكبوتية دقيقة ) جدا ( تخرج عن إدراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورقة فيصل الماء في أجوافها إلى سائر أجزاء الورقة ليغذيها وينميها ويزينها وتبقى طرواتها ونضارتها ) بحيث لو قطع الإمداد ليبس وسقط ، ( وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه فإن كان الماء يتحرك بطبعه إلى أسفل ) كما يقوله الطبائعي الجاهل ، ( فكيف تحرك إلى فوق ؟ فإن كان ذلك يجذب جاذب ) كما يقوله الطبائعي أيضا ( فما الذي سخر ذلك الجاذب ؟ فإن كان ينتهي بالآخرة إلى خالق السماوات والأرض وجبار الملك والملكوت فلم لا يحال عليه في أول الأمر ؟ فنهاية الجاهل في بداية العاقل ) .