ولا تظنن أن معنى النظر إلى الملكوت بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك في هذا النظر . فإن كان هذا هو المراد فلم مدح اللّه تعالى إبراهيم بقوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] لا بل كل ما يدرك بحاسة البصر فالقرآن يعبر عنه بالملك والشهادة ، وما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب والملكوت . واللّه تعالى عالم الغيب والشهادة وجبار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ، وهو
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 - 27 ] فأجل أيها العاقل فكرك في الملكوت فعسى يفتح لك أبواب السماء فتجول بقلبك في أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن ، فعند ذلك ربما يرجى لك أن تبلغ رتبة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حيث قال : رأى قلبي ربي . وهذا لأن بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى ، وأدنى شيء إليك نفسك ، ثم الأرض التي هي مقرك ، ثم الهواء المكتنف لك ، ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض ، ثم عجائب الجوّ وهو ما بين
شرح
البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك في هذا النظر ) .
فإن قلت : لم كانت السماء ترى زرقاء وهي عند أهل الهيئة لا لون لها ؟ فالجواب : أنها غير مرئية وما لا يرى يرى مظلما كمدا فالأعمى إذا سئل ما ذا ترى ؟ يقول : ظلام أسود ، وإذا كانت بهذا الطريق سوداء وتحتها الهواء ؟ ؟ ؟ مضيء والبصر يخترقه فتراه كأنه في السماء كما يتوهم الرطوبة في الشتاء في الكواكب ، فيحصل من صفاء الهواء وظلمة البصر في السماء زرقة لأنها شأن اختلاط الأسود بالصافي ، ( فإن كان هذا هو المراد فلم مدح اللّه تعالى ) في كتابه العزيز ( إبراهيم ) عليه السلام ( بقوله :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِلا بل كل ما يدرك بحاسة البصر ، فالقرآن يعبر عنه بالملك والشهادة وما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب والملكوت واللّه تعالى عالم الغيب والشهادة وجبار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وهو :عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) وكل ذلك في القرآن ، ( فأطل أيها العاقل فكرك في الملكوت فعسى يفتح لك أبواب السماء فتجول بقلبك في أقطارها ) وتعتبر بما فيها ( إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن ) ملاحظا جلاله وعزّه وكبرياءه ، ( فعند ذلك ربما يرجى لك أن تبلغ رتبة عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه حيث قال : رأى قلبي ربي ) وهكذا تكون الرؤية القلبية ( وهذا لأن بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى وأدنى شيء إليك نفسك ، ثم الأرض التي هي مقرك ، ثم الهواء المكتنف لك ، ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض ، ثم عجائب الجو