من المباينة والتباعد ما بين الفعلين ، فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك فإنه أعجب من كل عجب ! فإن الذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك من التبين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه ، فسبحان من هدى وأضل وأغوى وأرشد وأشقى وأسعد وفتح بصائر أحبابه فشاهدوه في جميع ذرّات العالم وأجزائه ، وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزه وعلائه ، فله الخلق والأمر والامتنان والفضل واللطف والقهر لا رادّ لحكمه ولا معقب لقضائه .
ومن آياته : الهواء اللطيف المحبوس بين مقعر السماء ومحدب الأرض : لا يدرك بحس اللمس عند هبوب الرياح جسمه ، ولا يرى بالعين شخصه وجملته مثل البحر الواحد والطيور محلقة في جو السماء ومستبقة سباحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء ، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرياح كما تضطرب أمواج البحر ، فإذا حرك اللّه الهواء وجعله ريحا هابة ، فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال سبحانه :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[ الحجر : 22 ] ، فيصل بحركته روح
شرح
نقاش ومصور ، كما أن نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين ، فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك ) لهذا ( فإنه أعجب من كل عجب ! فإن الذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ) والانكشاف ( ومنعك من التبين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه ) أي حقيق ، ( فسبحان من هدى وأضل وأغوى وأرشد وأشقى وأسعد وفتح بصائر أحبابه فشاهدوه في جميع ذرات العالم وأجزائه ) مشاهدة عيانية مصونة من الحلول والاتحاد ، ( وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزه وعلائه ) فهم عن مشاهدته محجوبون ، ( فله الخلق والأمر والامتنان والفضل واللطف والقهر لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ) جل شأنه وعز برهانه .