كل مسلم ، والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع ، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا ؟ هيهات ، بل المروّج لذلك على القلب خفي الشهوة وباطن الهوى ، فإنّ القلب إذا كان مائلا إلى طلب الجاه واستمالة قلوب الناس وسائر حظوظ النفس توسل الشيطان به إلى التلبيس على الجاهل ، ولذلك قال سهل رحمه اللّه تعالى : ما عصى اللّه تعالى بمعصية أعظم من الجهل ! قيل : يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشدّ من الجهل ! قال : نعم الجهل بالجهل . وهو كما قال : لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم ، فمن يظن بالكلية بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم ؟ وكذلك أفضل ما أطيع اللّه تعالى به العلم ، ورأس العلم : العلم بالعلم ، كما أن رأس الجهل : الجهل بالجهل ، فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضارّ اشتغل بما أكب الناس عليه من العلوم المزخرفة التي هي وسائلهم إلى الدنيا ، وذلك هو مادة الجهل ومنبع فساد العلم ، والمقصود أنّ من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير
شرح
الكلام عليه في كتاب العلم ، ( والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع ، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا هيهات ! بل المروج ) أي المزين ( لذلك على القلب خفي الشهوة وباطن الهوى ، فإن القلب إذا كان مائلا إلى طلب الجاه واستمالة قلوب الناس وسائر حظوظ النفوس توسل الشيطان به إلى التلبيس على الجاهل ، ولذلك قال ) أبو محمد ( سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى : ( ما عصى اللّه تعالى بمعصية أعظم من الجهل . قيل : يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل ؟ قال : نعم ) قيل : ما هو ؟ قال : ( الجهل بالجهل ) قال صاحب القوت :
يعني أن يكون العبد جاهلا وهو لا يعلم أو يحسب بجهله أنه عالم فيسكت عن جهله ويرضى به فيضيع فرض الفرائض ، وأصل الفرائض كلها وهو طلب العلم ، ولعله أن يفتي الجهال أو يتكلم بالشبهات وهو يظن أنها علم وهذا أعظم من سكوته ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وهو كما قال ، لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم ) ، وقد روي عن الخليل بن أحمد قال : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فجالسوه ، ورجل يدري ويدري أنه لا يدري ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك ضال فارشدوه ، ورجل لا يدري ولا يدري أنه يدري فذاك جاهل فامقتوه . ( وكذلك أفضل ما أطيع اللّه به العلم ورأس العلم العلم بالعلم ، كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل ، فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضار اشتغل بما أكب الناس عليه من العلوم المزخرفة التي هي وسائلهم إلى الدنيا ، وذلك هو مادة الجهل ومنبع فساد العالم ) ، ولفظ القوت : وكذلك أيضا ما أطيع اللّه تعالى بمثل العلم ومن علم العلم بالعلم أي شيء هو وذلك أيضا واجب من حيث كان العلم واجبا ليكون على بصيرة من تعلم العلم ، لأنه قد دخل مذهب المتكلمين وأقوال الغالطين من الصوفية والقصاص في شبهات العلم ، فصار زخرفا من القول غرورا يشبه العلم وليس بعلم لالتباس المعنى بعضه ببعض ، ولإشكال دقائق العلوم وغرائبه وخفاء السنة من طريق علماء السلف ، فاختلط لذلك القصاص والمتكلمون بالعلماء