تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا ، فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم ، بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا لوجه اللّه تعالى ، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة وإن عاق عن العمل عائق
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
[ الحج : 37 ] والتقوى ههنا أعني القلب ؛ ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن قوما بالمدينة قد شركونا في جهادنا » كما تقدّم ذكره لأنّ قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة اللّه تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات . وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التي أوردناها في فضيلة النية فأعرضها عليها لينكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة .
شرح
الهوى و ) عن ( حب الدنيا وهي غاية الحسنات ، وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم ، بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا ) لوجه ( اللّه تعالى ، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة ، وإن عاق عن العمل عائق فلن ينال اللّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) كما في الكتاب العزيز . ( والتقوى ههنا أعني القلب ) وهذا قد رواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة بلفظ « التقوى ههنا » قاله ثلاثا وأشار إلى القلب . ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « إن أقواما بالمدينة قد شركونا في جهادنا » كما تقدم ذكره ) قريبا ( لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة اللّه تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد ، وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات ) ، وفي هذا السياق رد على من زعم أن حديث « من هم بحسنة » مضاد لحديث « نية المؤمن خير من عمله » لدلالته على ترجيح العمل . ( وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التي أوردناها في فضيلة النية فاعرضها عليها لتنكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة ) . قال الكمال محمد بن إسحاق الصوفي في مقاصد المنجيات : سألت الإمام عز الدين بن عبد السلام عن ترجيح النية على العمل فأجاب : إن الوسيلة ليست أفضل من مقصودها ا ه . قال : وهذا بحسب نظر الناظر فمن نظر إلى أن النية وسيلة محثة على العمل قال : العمل أفضل من النية لأنه مقصودها كمن نوى أن يتصدق بمال ثم تصدق به كان فضل العمل بقدر ما أدخل من السرور على قلوب الفقراء والصالحين لسد خلتهم ، ومن نظر إلى أعمال الجوارح المنوطة بالنية هي وسائل لتقوية النية قال : النية أفضل إذ الأعمال بهذا الاعتبار وسيلة إلى تقوية النية وكأنها وسيلة أولا مقصودة آخرا ، وهذا معنى ما ذكره الإمام الغزالي وهو نظر صحيح لمن تأمله واللّه أعلم .