تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ
[ المرسلات : 20 - 22 ] ، وقال :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
[ يس : 77 ] ، وقال :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
[ الإنسان : 2 ] ، ثم ذكر : كيف جعل النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
[ المؤمنون : 12 - 14 ] الآية . فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه ، فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب وكيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم ، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع ، وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع ،
شرح
الأرحام (ثُمَّ كانَ عَلَقَةً) حمراء( فَخَلَقَ فَسَوَّى) أي عدله . ( وقال تعالىأَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) أي نطفة قذرة (فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ) هو الرحم (إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) أي مقدار معين للولادة . ( وقال ) تعالى : (أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فيه تقبيح بليغ لإنكارهم الحشر حيث عجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا ومنافاة الجحود لقدرته على ما هو أهون مما عمله في بداية خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس الشيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب . ( وقال ) تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) أي أخلاط جمع مشيج من مشنجت الشيء إذا خلطته وصف النطفة بها لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة ، وكل منها مختلفة الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو ، وقيل : مفرد كأعشار وأكباش ، وقيل : فأما ماء الرجل فأبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اختلطا اخضرا ، أو أطوارا فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة . ( ثم ذكر ) تعالى ( كيف جعل النطفة علقة ) حمراء ( والعلقة مضغة ) لحم ( والمضغة عظاما فقال تعالى :وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) أي الصفو الذي يسل من الأرض (ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) وهو الرحم (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةًالآية ) والعلقة محركة القطعة من الدم الغليظة وقليل من الدم الجامد والمضغة بالضم قطعة لحم ومنه قوله تعالى :فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً[ المؤمنون : 14 ] ( فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه ، فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة من الزمان ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب ) أي من صلب الرجل وترائب المرأة ، ( وكيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الإلفة والمحبة في قلوبهم ) كما يشير إليه قوله تعالىوَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[ الروم : 21 ] ( وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 353 | مرتضى الزبيدي