تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
بيان كيفية التفكر في خلق اللّه تعالى : اعلم أنّ كل ما في الوجود مما سوى اللّه تعالى فهو فعل اللّه وخلقه ، وكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة اللّه وقدرته وجلاله وعظمته ، وإحصاء ذلك غير ممكن لأنه لو كان البحر مدادا لذلك لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره . ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما
شرح
العلماء النظار يقول إنه حصل على معرفة الذات من حيث النظر الفكري وهو غالط لتردده بفكره بين السلب والاثبات ، والإثبات راجع إلى الوجود والسلب إلى العدم والنفي ، والنفي لا يكون صفة ذاتية لأن الصفات الذاتية للموجودات إنما هي ثبوتية فما حصل هذا الفكر المتردد بينهما من العلم باللّه على شيء ا ه . وقال المصنف في الجواهر والدرر : معرفة اللّه تعالى هو الكبريت الأحمر وتشتمل على معرفة ذات الخالق ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال ؛ فهذه الثلاثة هي اليواقيت فإنها أخص فوائد الكبريت الأحمر ، وكما أن لليواقيت درجات فمنها الأحمر ومنها الأكهب ومنها الأصفر وبعضها أنفس من بعض ، فكذلك هذه المعارف الثلاثة ليست على رتبة واحدة ، بل أنفسها معرفة الذات وهو الياقوت الأحمر ، ثم يليها معرفة الصفات وهو الياقوت الأكهب ، ثم يليها معرفة الأفعال وهو الياقوت الأصفر ، وكما أن أنفس هذه اليواقيت وأجلها وأعزها وأجودها الأحمر ولا تظفر منه الملوك إلا باليسير ، وقد تظفر مما دونه بالكثير ، فكذلك معرفة الذات أضيقها مجالا وأعسرها مقالا وأعصاها على الفكر وأبعدها عن قبول الذكر ، ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تلويحات وإشارات يرجع أكثرها إلى ذكر التقديس المطلق كقولهلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] وكسورة الإخلاص وإلى التعظيم والتنزيه المطلق كقوله :سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ[ الأنعام : 100 ] وأما الصفات فالمجاز فيها أفسح ونطاق المنطق فيها أوسع ، ولذلك تكثر الآيات المشتملة على ذكر العلم والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر وغيرها ، وسيأتي بقية هذا الكلام فيما بعد .

بيان التفكر في خلق اللّه تعالى

( اعلم ) نور اللّه قلبك ، ( أن كل ما في الوجود مما سوى اللّه تعالى فهو فعل اللّه تعالى وخلقه ) قال تعالىوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] وليس في الوجود إلا اللّه تعالى ، ( وكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب ) ومصاعد للأفكار ومراقي الاعتبار ( تظهر بها حكمة اللّه تعالى وقدرته وجلاله وعظمته وإحصاء ذلك غير ممكن لأنه لو كان البحر مدادا لذلك ) والأشجار أقلاما للكتابة ( لنفذ البحر قبل أن ينفد عشر عشيره ، ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما