تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
بنفسها ومهما انكشف بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ويمكن النظر إليها فيكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها فكذلك الأفعال واسطة نشاهد فيها صفات الفاعل ولا نبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة الأفعال . فهذا سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في ذات اللّه تعالى » .
شرح
بل إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض . وإنما هو وجوده من حيث نسبته إلى غيره وذلك ليس بوجود حقيقي ، فالموجود الحق هو اللّه تعالى كما أن النور الحق هو اللّه تعالى . ( ومهما انكسف بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طست ماء حتى ترى الشمس فيه ، ويمكن النظر إليها فيكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها ، فكذلك الأفعال واسطة تشاهد فيها صفات الفاعل ولا يبهرنا نور الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة الأفعال ، فهذا سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم « تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في ذات اللّه » ) . وقال الفخر الرازي : أشار بهذا الحديث إلى أن من أراد الوصول إلى كنه العظمة وهوية الجلال تحير وتردد بل عمي ، فإن عمي ، فإن نور جلال الإلهية يعمي أحداق العقول البشرية ، وترك النظر بالكلية في المعرفة يوقع في الضلال ، والطرفان مذمومان والطريق القويم أن يخوض الإنسان البحر المعتدل ويترك التعمق ، ومن ثم سميت كلمة الشهادة كلمة العدل انتهى . وقال الراغب : نبه بهذا الخبر على أن غاية معرفة الإنسان ربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة ، ويعرف أثر الصنعة فيها فإنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا مثلا لها ، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه ، ولما كان معرفة العالم كله تصعب على المكلف لقصور الأفهام عن بعضها واشتغال البعض بالضروريات جعل تعالى لك إنسان من نفسه وبدنه عالما صغيرا أوجد فيه مثال كل ما هو موجود في العالم الكبير ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر من كتاب بسيط يكون مع كل أحد نسخة يتأملها حضرا وسفرا وليلا ونهارا ، فإن نشط وتفرغ للتوسع في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم فيطلع منه على الملكوت ليغزر علمه وإلا فله مقنع بالمختصروَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ[ الذاريات : 21 ] انتهى . وقال الشيخ الأكبر قدس اللّه سره : ولا تفكروا في اللّه لأن للعقول حدا تقف عنده من حيث هي مفكرة وأية مناسبة بين الحق لواجب الوجود لذاته وبين الممكن وإن كان واجبا به عند من يقول به وما أخذه الفكر به إنما يقوم صحيحه من البراهين الوجودية ، ولا بد بين الدليل والمدلول والبرهان والمبرهن عليه من وجه به يكون التعلق له نسبة إلى الدليل ونسبة إلى المدلول ، فلا يصح أن يجتمع الخلق والحق في وجه أبدا من حيث الذات ، بل من حيث أن هذه الذات منعوتة بالألوهية ؛ فهذا حكم آخر تستقل العقول بإدراكه . وكم من عاقل يدعي العقل الرصين من