تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الجاه والمال في دين المرء المسلم » . ولا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس والهرب من مخالطتهم وترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم . فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه وفي استنباط طريق الخلاص منها ، وهذه وظيفة العالم المتقي فأما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوّي إيماننا بيوم الحساب ، إذ لو رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعا : إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب ، فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار ! فإن من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه ، وقد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات والحرام وبترك المعاصي ونحن منهمكون فيها ، وإن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات ونحن مقصرون في الفرائض منها . فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا والتكالب عليها ، ويقال : لو كان هذا مذموما لكان العلماء أحق وأولى
شرح
ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الجاه والمال في دين المرء المسلم » ) رواه الطبراني في الصغير ، والضياء من حديث أسامة بن زيد بلفظ « ما ذئبان ضاريان باتا في حظيرة فيها غنم يفترسان ويأكلان بأسرع فسادا من طلب المال والشرف في دين المسلم » . وقد تقدم الكلام عليه في كتاب ذم الجاه . ( ولا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس والهرب من مخالطتهم وترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم ، فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه وفي استنباط طريق الخلاص منها ) فإن هذا هو الأهم ، ( فأما أمثالنا ) من ضعفاء الإيمان فينبغي ( أن يكون ) دائما ( تفكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب ) وهو يوم القيامة الذي تجازى فيه كل نفس بما عملت ، ( إذ لو ) فرض أن ( رآنا السلف الصالحون ) ورأوا أحوالنا وما نحن عليه من الغفلة والتكالب ( لقالوا قطعا : إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب ) كما روي ذلك بعض السلف ، ( فما أعمالنا من يؤمن بالجنة والنار فإن من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه ) روي ذلك من قول أبي سليمان الداراني ، ومعناه في الحديث المرفوع عن أنس « من خاف شيئا حذره ومن رجا شيئا عمل له ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية » . رواه الديلمي ، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل » . ( وقد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات والحرام وبترك المعاصي ) الظاهرة والباطنة ، ( ونحن منهمكون فيها ) فكيف يتصور المهرب ( وأن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات ) الزائدة عن الفرائض ، ( ونحن مقصرون في الفرائض منها ) وقد روي من حديث علي رضي اللّه عنه : « من اشتاق إلى الجنة سابق إلى الخيرات ، ومن اشفق من النار لها عن الشهوات ، ومن ترقب الموت صبر عن اللذات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات » رواه البيهقي وقد تقدم . فهذه علامات الخائف والراجي والمترقب والزاهد . ( فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا والتكالب عليها ) في جمعها