إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 343
القسم الثاني : الفكر في جلال اللّه وعظمته وكبريائه وفيه مقامان : المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه ، وهذا مما منع منه حيث قيل تفكروا في خلق اللّه تعالى ولا تتفكروا في ذات اللّه ، وذلك لأن العقول تتحير فيه فلا يطيق مدّ البصر إليه ، إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر . بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة ، بل يختفي نهارا وإنما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع تعالى ) واللّه الموفق . ولما فرغ من بيان الفكر في معرفة نفس العبد في بيان الفكر في معرفة المعبود فقال : القسم الثاني : الفكر في جلال اللّه وعظمته وكبريائه وفيه مقامان ( المقام الأول : وهو الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه ) وهذه المعرفة تشتمل على علم ما يجب ويستحيل وما يجوز فعله وجملة أسماء اللّه الحسنى وصفاته العلى ، فللفكر في الوجود وفي كيفية التخلق بكل واحد منها على حسب الإمكان مجال رحب ، ( وهذا مما منع منه حيث قيل : « تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في ذات اللّه » ) رواه ابن النجار والرافعي من حديث أبي هريرة بلفظ « ولا تتفكروا في اللّه » وقد تقدم قريبا ، ( وذلك لأن العقول تتحير فيه ) وهذا يؤخذ منه قول من ذهب إلى أن اسم اللّه مشتق وأنه من أله يأله إذا تحير إشارة إلى حيرة عقول أولي الألباب في مبادي سبحات جلاله وسطوات إشراق أنوار كبريائه ، وإن كان هذا خلاف ما عليه المصنف فإنه يقول لعلميته لا غير ، ( فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ) وليس لهم من الذات إلا الدهشة فهم يترددون بين اليأس والطمع إن نظروا إلى هيبة جلاله أيسوا ، وإن نظروا إلى أنس جماله طمعوا ، ولولا أنس الجمال لتقطعت أوصال العارفين دهشة ، ولولا طمع الوصال لذابت قلوب المحبين حسرة . ( ثم لا يطيقون دوام النظر بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا ) لئلا يقابله نور الشمس فيسقط مغشيا عليه . قال صاحب كشف الأسرار في إشارة الخفاش ، وقد قيل : أراك إذا طلعت الشمس وقعت في العشا ولا تزال كذلك إلى العشا فتعمى بما يستضيء به الناس وهذا ضد القياس . وقال ابن الوردي في إشارته : أنا من أهل الخلوات والليل ، أنا على ضعفي كجلمود صخر حطه السيل ، أنا بالنهار أحتجب ورائي العزلة مما تحب وبالليل أكشف الغطا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ، وإذا طلعت الشمس حكمت على عيني بالطمس وأخذتني الغيرة أن أشاهد غيره فاطبق من عين الشمس عيني وأفنى عن أينها أيني ( وإنما يتردد ليلا لينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض ) وهو الوقت الذي لا يكون فيه ضوء ولا ظلمة وهو قريب غروب الشمس وهو وقت هيجان البعوض ، والبعوض يخرج