تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
على الأرض . وأحوال الصدّيقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ، ويخشى على بصره لو أدام النظر ، ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر ، وكذلك النظر إلى ذات اللّه تعالى يورث الحيرة والدهش
شرح
في ذلك الوقت يطلب قوته وهو دماء الحيوان ، والخفاش يطلب الطعم فيقع طالب رزق على طالب رزق . ( وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ، ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر ) كما هو مشاهد ، ولقد حكى لي من أثق به أنه نظر مرة إلى قرص الشمس وحدق فيه بصره ليحيط بقدر المكسوف منه فما زال يشتكي ضعف بصره ، ( وكذلك النظر إلى اللّه تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل ) . وقال الشيخ الأكبر قدس سره في حقائق الأسماء بعد أن نقل وجوه الاشتقاق في اسم الجلالة إلى أن قال وقيل : هو مشتق من الالهة وهي العبادة ، وقيل : من لاه يليه إذا ارتفع ، وقيل من أله يأله إذا تحير ، ثم قال : وهذا الوجه هو مركز دائرة الوجوه كلها لما اختص هذا الاسم من الأحوال بالحيرة والعبادة والرفعة وهي التنزيه وهو رفعته عن التشبيه بخلقه والتنزيه يؤدي إلى الحيرة لأن غاية التنزيه إثبات النسب وهي الصفات الكمالية التي يتوقف عليها وجود أعيان المظاهر ، فإن قال القائل : إن النسب أمور وجودية زائدة على ذاته تعالى ، فقد صرح أنه لا كمال بالذات إلا وأن ذاته تعالى كان ناقصا قبل ظهورها كاملا بالزائد الوجودي ، وإن قال ما هي هو ولا وجود لها وإنما هي نسب والنسب أمور عدمية ، فقد جعل للمعدوم أثرا في الوجود ، وإن قال : ما هي هو ولا غيره كان قولا بلا روح وكلاما لا معنى له يدل على نقص عقل القائل ، وإن سكت الناظر ولم يقل شيئا فقد عطل القوة النظرية ، فإذا عجز العقل عن الوصول إلى العلم بشيء من هذه الأسرار لم يبق الطريق إلا الرجوع إلى الشرع ، ولا تقبل أحكام الشرع إلا بالعقل لأنه الأصل وقد عجز ، والناظر عن معرفة الفرع وثبوته أعجز فإن تعامى عن النظر وقبل قول الشارع إيمانا لأمر ضروري لا يقدر على دفعه لا بد له أن يسمع الشارع أن ينسب إلى الحق أمورا تقدح فيها الأدلة النظرية وتحتاج إلى تأويل فإن تأويله ليرده إلى النظر العقلي فهو عائد إلى عقله وجاعل وجود الحق سبحانه على جوده ، وثبت أن اللّه تعالى لا يدرك بالقياس فهذا غاية تنزيه المنزه وقد أداه إلى الحيرة وصارت الحيرة مركزا ينتهي إليها النظر العقلي والشرعي ، وكذلك العبادة وهي التي كلف بها والتكليف لا يكون إلا على من له الاقتدار على ما كلف به وأمر من الأفعال وإمساك النفس عن ارتكاب ما نهى عنه ، والأفعال منفية عن المخلوق بقولهوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] والشيء لا يكلف نفسه ثم لا يخفى أن الحق تعالى كبرياؤه خاطب عباده فأمرهم ونهاهم ، ولا بد من محل يقبل الخطاب فأثبت الأفعال للمخلوق من هذا الوجه تقتضي قابليته ، فنفى من وجه وأثبت من وجه والنفي والإثبات متقابلان فرماه أيضا في الحيرة ، فدرجات علوم العلماء باللّه تدور على مركز الحيرة ، ولهذا كان بعض العارفين يقول : يا حيرة يا دهشة يا حرف لا يقرأ انتهى .