تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
حال القلب تغيرت أعمال الجوارح . فالعمل تابع الحال والحال تابع العلم والعلم تابع الفكر . فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها ، وهذا هو الذي يكشف لك عن فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر لأن الفكر ذكر وزيادة . وذكر القلب خير من عمل الجوارح ، بل شرف العمل لما فيه من الذكر . فإذا التفكر أفضل من جملة الأعمال . ولذلك قيل : تفكر ساعة خير من عبادة سنة ، فقيل هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة ، وقيل هو الذي يحدث مشاهدة وتقوى ، ولذلك قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
[ طه : 113 ] وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة ، فإن الفكر فيه يعرّفنا أنّ الآخرة أولى بالإيثار ، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا . وهذا ما عنيناه بالحال ، إذا كان حال
شرح
غير ) والحال والعمل ينشئان من العلم . ( نعم إذا حصل العلم في القلب ) واستقر فيه ولم يعرضه شك وغفلة ( تغير حال القلب ، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح فالعمل تابع الحال والحال تابع العلم والعلم تابع الفكر ، فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها ) لأن العلوم والأحوال هما البضاعة التي يقع بها الإتجار ، وهذا هو السر في تقديم بعض العارفين كتاب التفكر على سائر كتب المنجيات . ( وهذا هو الذي يكشف لك عن فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر لأن في التفكر ذكرا وزيادة وذكر القلب خير من عمل الجوارح ، بل شرف العمل لما فيه من الذكر ) وقد سبق للمصنف تحقيق أن المحبة الناشئة عن التفكر أفضل من المحبة الناشئة عن التذكر ، والعلة أن التفكر رؤية والذكر سماع هذا معنى كلامه رضي اللّه عنه في كتاب ترتيب الأوراد ، وقد نقل القشيري رحمه اللّه تعالى في رسالته عن أحد المشايخ أن الذكر أفضل من الفكر لأن اللّه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر ، وهذا فيه نظر لأن من عرف حقيقة التفكر علم أنه ذكر وزيادة معرفة مقتضية ، وعلى الجملة فلا يزال الفكر أفضل من الذكر لأنه مقصود إلى أن ينتهي إلى حلّ ينقطع فيه الفكر ويبقى الذكر مجردا عن الأدلة ، فهذا الذكر أفضل من الفكر بلا خلاف واللّه أعلم . ( فإذا التفكر أفضل من جملة الأعمال ، ولذلك قيل : تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) تقدم الكلام عليه قريبا واختلف فيه ، ( فقيل : هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة . وقيل : هو الذي يحدث مشاهدة وتقوى ، ولذلك قال تعالى :لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً[ طه : 113 ] وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمناله ما ذكرناه من أمر الآخرة ، فإن الفكر فيه يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار ، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا ) بأن لا يعتريها شك مع الفراغ عن غيرها ( تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا ) من غير أن تشعر بذلك التغير .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 321 | مرتضى الزبيدي