المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا ، فكل متفكر فهو متذكر ، وليس كل متذكر متفكرا ، وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحي عن القلب . وفائدة التفكر :
تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة . فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر .
والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى ، فالمعرفة نتاج المعرفة . فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتاج آخر . وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية ، وإنما تنسدّ طريق زيادة المعارف بالموت ، أو بالعوائق هذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدي إلى طريق التفكر وأما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال وهو المعارف التي بها تستثمر العلوم ، كالذي لا بضاعة له فإنه لا يقدر على الربح ، وقد يملك
شرح
( فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا ) إلا على وجه التجوّز ، ( فكل متفكر فهو متذكر وليس كل متذكر متفكرا ، وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب ) واسترجاع ما فات منها بالنسيان ( لترسخ وتثبت ولا تنمحي عن القلب ، وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة ) من قبل ؛ ( فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر ) . وقال الراغب : التفكر جريان القوّة العلمية بحسب نظر العقل ، ولا يقال إلا فيما يمكن أن تحصل له صورة في العقل ، ولهذا ورد : ولا تفكروا في اللّه إذ كان منزها أن يوصف بصورة قال تعالى :أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ[ الروم : 8 ]أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الأعراف :
185 ] ( والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى ، فالمعرفة نتاج المعرفة فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتاج آخر ، وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية ) . وإذا عرفت هذا فقد نتجت لك سبيل السعادة في استنتاج العلوم واقتناصها وهو واجب عند الشك وعند ورود الشبه وعند علاج الأمراض الواجب إزالتها من القلوب ، كما يجب طلب الخبز للجائع والماء للعطشان ، فمن ترك ذلك وانتظر خلق الشبع من غير أكل وخلق الري من غير شرب ومات كان عاصيا ، وكذلك من ترك تكسب العلوم الواجبة واتكل على فضل اللّه تعالى أن يجعله عالما بالإلهام كان عاصيا ، وإن كان ممكنا قال اللّه تعالى :وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ[ النحل : 78 ] فمن عطل هذه الأدلة عن استعمالها فقد فعل ما حرم عليه وكفر نعمة اللّه به في تعطيل هذه النعم ، ( وإنما تنسد طريق زيادة المعارف بالموت ) فهو معذور إن لم يترك جهده في مدة حياته ، ( أو بالعوائق هذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدي إلى طريق التفكر ، وأما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال وهو المعارف التي بها يستثمر العلوم ) . والحاصل أن المانع من زيادة المعارف سببان : أحدهما : أن يكون المتفكر قليل المعارف فيقل نتاجه ( كالذي لا بضاعة له