إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 317
بيان حقيقة الفكر وثمرته : اعلم أنّ معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة . ومثاله أنّ من مال إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وأراد أن يعرف أنّ الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان : أحدهما : أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا ، فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرّد قوله . وهذا يسمى تقليدا ولا يسمى معرفة . والطريق الثاني : أن يعرف أنّ الأبقى أولى بالإيثار ، ثم يعرف أنّ الآخرة أبقى . فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار ، ولا يمكن تحقيق المعرفة بأنّ الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين . فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا وتأملا وتدبرا . أما التدبر والتأمل والتفكر : فعبارات مترادفة على معنى واحد ليس تحتها بيان حقيقة الفكر وثمرته : ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة ) ، وبيان ذلك أنك إذا أردت اقتناص علم أو حال جمعت بين علمين متناسبين لذلك العلم المطلوب بشرط عدم الشكوك فيهما وفراغ القلب من غيرهما ، وحدقت النظر فيهما تحديقا بالغا فلم تشعر إلا وقد وجدت علما ثالثا وهو مطلوبك وبغيتك . ( ومثاله أن من مال ) قلبه ( إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وأراد أن ) يميل إلى الآخرة و ( يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان ) : ( أحدهما : أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار فيقلده ) في ذلك ( ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله ، وهذا يسمى تقليدا ولا يسمى معرفة ) . ( والطريق الثاني : أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار ثم يعرف أن الآخرة أبقى ) لنفاستها وخساسة العاجلة والعلم بكل منهما يكون على الشرط المتقدم ، ( فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار ) أي ينتقل القلب من الميل إلى الخسيس إلى الميل إلى النفيس لا محالة وربما لا يشعر به ، ( ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا وتأملا وتدبرا ) وهذا السياق فيه أو في