تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
شرح

فصل في التذكر :

اعلم أن القلب إذا انتبه من غفلته وتيقظ من رقدته تذكر ما كان نسيه ، وانظر إلى قوله تعالى :وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ[ غافر : 13 ] فجعل الإنابة شرطا للانتفاع بالتذكر . وقال تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[ ق : 37 ] فجعل للتذكر ثلاثة أسباب : القاء السمع ، وحضور القلب ، وشهوده للفهم ، فعلى هذا يكون حقيقة التذكر استدعاء ما كان موجودا عنده ثم نسيه وتكراره على القلب حتى يثبت ويرسخ ، وسبب ذلك أن العلوم كلها مركوزة في النفوس بالفطرة وهي كامنة فيها ككمون النار في الحجر والنخلة في النواة ، وذلك أنها قابلة لإدراك العلوم كلها فالمعلم لا يحدث لها شيئا من خارج ، وإنما يخرج بالتعليم ما هو كامن فيها ، وإنما طرأ عليه النسيان بسبب اغترابها في عالم الشهادة عالم الخيال والظلمة ، فمتى سكت عنها حركة الخيال وظلمة الشهوات تجلى لها عالمها الذي هو من أمر اللّه تعالى المنزّه عن الخيالات والأوهام وعن الجهات والمقدار فحينئذ تذكر ما أودعه عندها سيدها ومالكها وهاديها من الاعتراف بوجوده ووحدانيته وكل صفة تليق بعظمته وكبريائه ، فمن حرم مثل هذا الاستبصار فقد خاب من الرحمة بطريق النظر والاعتبار ، فإنه تعالى أمرنا على لسان أنبيائه عليهم السلام بالتذكار ، ثم لم يكلنا إلى أنفسنا حتى نبهنا فقال سبحانه هو :اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ[ ص : 65 ، 66 ] والتذكر يتعلق بالعقد والقول والفعل والترك وهو واجب فيما يجب من ذلك ، ويحرم تذكر المعاصي إن أدى إلى استجلابها بل يجب التغافل عنها ويكره تذكر ما يستقبل من الأحوال لأنه يفوت زمنا صالحا من العمر بموهوم لا يدري أيحصل أم لا . ولا يفعل ذلك إلا غافل جاهل لا يعرف قدر عمره وما دام المريد مفتقرا إلى التفكر ، فلا بد من التذكر لأن التفكر هو استمدار الأنوار من الأذكار وبشرف التذكر يشرف متعلقة وعلامة صحة التذكر موافقة الشرع في جميع مراتبه فمتى وقع له غير ذلك فليعلم خطأه .

فصل [ فضل التفكر ]

وأما التفكر ففضله عظيم ، وقد مر في سياق المصنف ما يدل عليه وصاحبه على بصيرة من أمره وما يستوي الأعمى والبصير وهو مخصوص بنوع الإنسان لأنه مركب من ظرف عقلي وظرف حسي والذات المركبة المدركة لا تدرك الأشياء إلا بنوع تركيب ولا يعرف التفاضل إلا بالإضافة كإضافة الدرهم إلى الدينار وكإضافة الدنيا إلى الآخرة ، فيظهر شرف الشريف بالنظر إلى خسة الخسيس ، فانظر إلى حالك في النوم كيف يريك الملك الموكل بالرؤيا أرواح المعاني في قوالب الخيال لضرورة مادة يقظتك وتركيبها ، ومن له فهم قنع من هذا العلم بالتلويح ، وبهذا السبب تعرف حقيقة التفكر فإنما مهدنا سببه ليسهل مدركه واللّه الموفق .