فهذه أقاويل العلماء في الفكرة وما شرع أحد منهم في ذكر حقيقتها وبيان مجاريها .
شرح
ومما يذكر في فضلة التفكر ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر عن عامر بن عبد قيس قال :
سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر . وروى ابن المنذر ، وأبو نعيم في الحلية من طريق عون بن عبد اللّه قال : سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر والاعتبار . وروى أبو الشيخ والديلمي من حديث أبي هريرة بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم فقال : واللّه إني لأعلم أن لك خالقا وربا اللهم اغفر لي فنظر إليه فغفر له . وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : ما جاءكم به موسى من الآيات . قالوا : عصاه ويده بيضاء للناظرين ، وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه ، فنزلت :إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِالآية فليتفكروا فيها . وروى الديلمي من حديث أنس أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت ، وأفضل العبادة التفكر ، فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة . وقال ابن عطاء اللّه : الفكرة سراج القلب ، فإذا ذهبت فلا إضاءة له . وقال بعض الحكماء : املأ عينك من زينة هذه الكواكب وأجلهما في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها متدبرا حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ويحال بينك وبين النظر ، ويروى في بعض الأخبار أنه كان الرجل من بني إسرائيل إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته سحابه ، ففعله رجل فلم تظله فشكا لأمه فقالت : لعلك أذنبت . فقال : لا . قالت : فهل نظرت إلى السماء فرددت طرفك غير مفكر فيها ؟ قال : نعم قالت : من ههنا أتيت . ( فهذه أقاويل العلماء في الفكرة ) وفضلها ( وما شرع أحد منهم في ذكر حقيقتها وبيان مجاريها ) .
ثم اعلم أن التفكر له مقدمات ولواحق فمن مقدماته السماع والتيقظ والتذكر ، ومن لواحقه العلم لأن من سمع تيقظ ومن تيقظ تذكر ومن تذكر تفكر ومن تفكر علم ومن علم عمل ، إن كان علما يراد لذاته سعد والسعادة غاية المطلب ، أما السماع والعلم فقد تقدم ذكر كل منهما في كتاب مستقل واحتاج الأمر إلى بيان اليقظة والتذكر ، وحقيقة اليقظة الانتباه من النوم وهي في هذا الباب انتباه القلب للخير لا غير . قال الإمام أبو إسماعيل الهروي : هي القومة للّه تعالى من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة . قال الكمال الصوفي : والقومة والنهوض هما ثمرة الانتباه والنهوض هو قيام بسرعة ، فعلى هذا تكون القومة للّه واجبة على الفور في الأوامر والنواهي الفورية وهي متعلقة بكل مقام لأن العبد مأمور بالترقي من حضيض إلى ارتفاع ومن ارتفاع إلى أفق ، وهكذا فصاعدا .
فكلما كان القلب في حالة وتنبه من نفسه أو من غيره بحالة تسمو على حالته الأولى استحب له الارتقاء إليها ليكون له حالا وما كان قبله مقاما ، وهكذا إلى ما لا يتناهى وتشرف اليقظة بشرف العلم المستيقظ به وكل ما جاء في كتاب اللّه عز وجل من ذكر المسارعة إلى المغفرة والمسارعة إلى الخيرات فهو دليل على فضلها .