بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم اللّه ناصر كل صابر
الحمد للّه الذي لا يضره المنع ولا يكديه الإعطاء ، إذ كل معط منتقص سواه وكل مانع مذموم ما خلاه ، هو المنان بفوائد النعم ، وعوائد المزيد والقسم ، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرادع أناسي الأبصار من أن تناله أو تدركه ، ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال ، وهو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأ من خطر الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته ، ردعها وهي تجوب ، مهاوي سدف الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الروايات خاطرة من تقدير جلال عزته ، الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة على معرفته وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته واعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة ، قدر ما خلق فاحكم تقديره ، ودبره فألطف تدبيره ، ووجه لوجهته فلم يتعد لحدود منزلته ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته وكيف وإنما صدرت الأمور من مشيئته ، المنشىء أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فأقام منها أودها ، ونهج حدودها ولألأم بقدرته بين متضادها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرقها أجناسا مختلفات ، في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات ، بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها ، عالم السر من ضمائر المضمرين ونجوى المتخافتين ، وخواطر رجم الظنون وعقد عزيمات اليقين ، ومسارق إيماض الجفون وما ضمنته أكناف القلوب ، وغيابات الغيوب ، وما أهبطت لاستراقه مصائخ الأسماع ومصائف الذر ومشاتي الهوام ، ورجع الحنين من الوالهات وهمس الأقدام ، ومنفسخ الثمرة من ولائج غلف الاكمام ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها ، ومختبأ البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها ، ومغرز الأوراق من الأفنان ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب وناشئة الغيوم ومتلاحمها ، ودرور قطر السحاب وتراكمها وما تسقى الأعاصير بذيولها ، وتعفو الأمطار بسيولها ، وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال ، ومستقر
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 302
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٣٠٢