الحمد للّه الذي لم يقدر لانتهاء عزته نحوا ولا قطرا ، ولم يجعل لمراقي أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمته مجرى ، بل ترك قلوب الطالبين في بيداء كبريائه وآلهة حيرى ، كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال قسرا ، وإذا همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا صبرا ، ثم قيل لها أجيلي في ذل العبودية منك فكرا لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية لم تقدري له قدرا ، وإن طلبت وراء الفكر في صفاتك أمرا فانظري في نعم اللّه تعالى وأياديه كيف توالت عليك تترى ، وجدّدي لكل نعمة منها ذكرا وشكرا ، وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرا وشرا ، ونفعا وضرا ، وعسرا ويسرا ، وفوزا وخسرا ، وجبرا وكسرا ، وطيا ونشرا ، وإيمانا وكفرا ، وعرفانا ونكرا ، فإن جاوزت النظر في الأفعال إلى النظر في
شرح
( الحمد للّه الذي لم يقدر لانتهاء عزته نحوا ولا قطرا ) أي لم يجعل لغلبته الآتية على كل الظاهر والباطن جهة ولا ناحية يقال : نحا نحو كذا أي قصد جهته ، قال الشاعر :نحونا نحو دارك يا حبيبي * وجدنا نحو ألف من رقيبوالقطر : بالضم الناحية والجمع الأقطار ، يقال : بلغ أنحاه وأقطاره ، ( ولم يجعل لمراقي أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى عظمته مجرى ) أي عظمته تعالى جلت عن أن ترقى إليها الأوهام بأقدامها أو ترمي إليها الأفهام بسهامها ، فليس في مسارح ميادينها لها مجرى لقصورها عن إدراك كنه العظمة ، ( بل ترك قلوب الطالبين في بيداء ) أي صحراء ( كبريائه وآلهة حيرى ) أي متحيرة جمع حيران كسكرى وسكران والوله محركة ذهاب العقل من شدة الحزن ( كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال ) أي نوره وبهاؤه ( قسرا ) أي قهرا يشير إلى الحديث المتقدم ذكره « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره » . ( وإذا همت بالانصراف آيسة ) من نيل المطلوب ( نوديت من سرادقات الجمال صبرا ) أيها الطالب ( صبرا ) أي عليك بالصبر في سلوكك ولا تيأس وأثبت فيما أنت عليه ، ( وقيل لها ) أي للقلوب : ( اجيلي في ذل العبودية منك فكرا ) وإجالة الفكر إدارته ( لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية لم تقدري له قدرا ) لقوله تعالى :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ الأنعام : 91 ] ( وإن طلبت وراء الفكر في صفاتك امرا فانظري في نعم اللّه تعالى ) الشاملة ( وأياديه ) الكاملة ( كيف توالت عليك ) أي تتابعت ( تترى ) بعضها وراء بعض ( وجددي لكل نعمة منها ذكرا وشكرا ) بأن تذكريها ثم تشكري عليها لقوله تعالى :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ[ البقرة : 152 ] ( وتأملي في بحار المقادير ) جمع المقدور وهو ما قدره اللّه تعالى على الخلق قبل أن يخلق العرش والكرسي واللوح والقلم ، ( كيف فاضت على العالمين ) وشملتهم ( خيرا وشرا ونفعا وضرا وعسرا ويسرا وفوزا وخسرا وجبرا وكسرا وطيا ونشرا وإيمانا وكفرا وعرفا ونكرا ) ، فهذه كلها من مقدورات اللّه