تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
ذلك بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنّك باللّه الغرور ، فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ولا تضيعي أوقاتك فالأنفاس معدودة فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمي الصحة قبل السقم والفراغ قبل الشغل والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت ، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها ، يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ، ولا تتكلين في ذلك على فضل اللّه وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك ، فإنه قادر على ذلك ، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء أم تظنين أن ذلك دون هذا ؟ كلا أن يكون هذا كذلك وأن يكون بينهما مناسبة في الشدّة والبرودة ؟ أفتظنين أن العبد ينجو منها
شرح
بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه » ) رواه الطيالسي وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس من حديث شداد بن أوس . وفي رواية لهم : والعاجز بدل الأحمق وقد تقدم مرارا . ( ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنك باللّه الغرور ) كما قال اللّه تعالى :فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[ لقمان : 33 ] ( فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ولا تضيعي أوقاتك ) فإنها عزيزة ( فالأنفاس معدودة فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمي الصحة قبل السقم ، والفراغ قبل الشغل ، والغنى قبل الفقر ، والشباب قبل الهرم ، والحياة قبل الموت ) فقد روى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس « اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك » وقد رواه ابن المبارك وأحمد معا في كتاب الزهد ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي أيضا عن عمرو بن ميمون الأودي مرسلا . ( واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها . يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ) الموافقة للزمان ، ( ولا تتكلين في ذلك على فضل اللّه وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك ، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء ، أم تظنين أن ذلك دون هذا ؟ كلا أن يكون هذا كذلك وأن يكون بينهما مناسبة في الشدة والبرودة ؟ أفتظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي وهيهات ! كما لا يندفع برد الشتاء إلا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 287 | مرتضى الزبيدي