ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس ، وهذا محال وجوده ، أما تتأملين مذكم تعدين نفسك وتقولين غدا غدا فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته ؟ أما علمت أن الغد الذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس لا بل تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز وأعجز ؛ لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبد العبد بقلعها ، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدّة يزيد الشجرة قوة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا ، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط في المشيب ، بل من العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب . والقضيب الرطب يقبل الانحناء فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك ، فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية وتركنين إلى التسويف فما بالك تدعين الحكمة وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة ؟ ولعلك تقولين ما يمنعني عن الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات وقلة صبري على الآلام والمشقة فما أشدّ غباوتك وأقبح اعتذارك ! إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية عن
شرح
كما في الخبر « حفت الجنة بالمكاره » ( ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس هذا محال وجوده ، أما تتأملين منذ كم تعدين نفسك وتقولين غدا غدا فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدتيه ؟ أما علمت أن الغد الذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس لا بل ما تعجز عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز وأعجز ) أي أكثر عجزا ؛ ( لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعبد العبد بقلعها ) واستئصالها ، ( فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا ، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط في المشيب ، بل من العناء رياضة الهرم ) فإن الهرم يزداد كل آن ضعفا فرياضته من جملة العناء ، ( ومن التعذيب تهذيب الذيب ) ، فإنه جبل على الخبث فلا ينفع فيه التهذيب ، ومنه قول الشاعر :إذا كان الطباع طباع سوء * فليس بنافع فيه الأديب( والقضيب الرطب ينفع فيه الانحناء فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك ) أبدا ، ( فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور ) الواضحة ( الجلية وتركنين إلى التسويف فمالك تدعين الحكمة ) والإصابة ، ( وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة ؟ ولعلك تقولين : ما يمنعني عن الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات وقلة صبري على الآلام والمشقات فما أشد غباوتك وأقبح اعتذارك ! إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية