تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الآخر فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أم من الحمقى ؟ أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك وما لك فيها إلا مجاز وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ، ولذلك قال سيد البشر صلّى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به وعش ما شئت فإنك ميت » ويحك يا نفس أما تعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة ، وإنما يتزوّد من السم المهلك وهو لا يدري ؟ أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثم ذهبوا وخلوا وكيف أورث اللّه أرضهم وديارهم أعداءهم أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون يبني كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ومقرّة قبر محفور تحت الأرض فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا . أما تستحين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم ، واحسبي أنك
شرح
ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أو من الحمقى ؟ أما تعلمين أن الدنيا دار ملك من الملوك ومالك فيها إلا مجاز ) يشير بذلك إلى قول عيسى عليه السلام : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . ( وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ، ولذلك قال سيد البشر صلّى اللّه عليه وسلم « إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به وعش ما شئت فإنك ميت » ) رواه الشيرازي في الألقاب من حديث سهل ابن سعد نحوه ، والطبراني في الأصغر والأوسط من حديث علي وكلاهما ضعيف وقد تقدم في كتاب العلم . ( ويحك يا نفس أما تعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا يأنس بها مع أن الموت من ورائه ) وبالمرصاد منه ( فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري ؟ أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ) ما بنوا ( ثم ذهبوا وخلوا ) أي تركوا ومنه قولهم : يا من بنى وعلى ثم راح وخلى . ( وكيف أورث اللّه أرضهم وديارهم أعداءهم ، أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون ) ، وقد روى الطبراني في الكبير من حديث أم الوليد بنت عمر بن الخطاب : يا أيها الناس أما تستحيون تجمعون ما لا تأكلون وتبنون ما لا تعمرون وتؤملون ما لا تدركون ألا تستحيون من ذلك ؟ ( يبني كل واحد منهم قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ومقره قبر محفور تحت الأرض . فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا . أما تستحيين يا نفس من مساعدة هؤلاء