تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
شرح
أَصْحابِ السَّعِيرِ[ فاطر : 6 ] قالت : فرجعت مذعورة وجلة القلب ، فو اللّه ما عاودتني تلك الوسوسة بعد تلك الليلة . وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن الحسين ، حدثني عبد اللّه بن الزبير الحميري ، حدثني فضلة ابن خالد المخزومي وكان من خيار بني مخزوم قال : كانت ههنا امرأة من بني مخزوم مجاورة يقال لها حكيمة ، وكانت إذا نظرت إلى باب الكعبة قد فتح صرخت كما تصرخ الثكلى ، فلا تزال تصرخ حتى يغمى عليها ، وكانت لا تكاد تفارق المسجد إلا للأمر الذي لا بد منه . قال : ففتحت الكعبة يوما وهي في بعض حاجتها ، فلما جاءت قالت لها امرأة كانت تجالسها : يا حكيمة اليوم فتح بيت ربك ، فلو رأيت الطائفين يطوفون به والباب مفتوح وهم ينتظرون الرحمة من مليكهم لقد قرت عينك قال : فصرخت حكيمة صرخة لم تزل تضطرب حتى ماتت . قال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن صالح بن يحيى النهمي ، حدثني أبو الوراق ، أخبرني من سمع نقيش بنت سالم بمكة وهي تقول يا سيد الأنام زجلت بي الشقة ، وهذا مقام العائذ بعفوك من سخطك وبرحمتك من غضبك . يا حبيب الأوابين يا من لا يكديه الإعطاء يا ذا المن والآلاء أدلى بالثقة منك وصلة قراي منك عتق رقبتي . قال : ورأيتها بالموقف وهي تقول : بهطتني الآثام كحلت عيني بمكحول الخزي ، فوعزتك لا أضحك أبدا حتى أعلم أين محمل قراري وإلى أين تصير دياري ، فلما رأت أيدي الناس مبسوطة للدعاء قالت : يا رب أقامهم هذا المقام خوف النار يا قرة عيني وعيون الأبرار يلتمسون نائلك ويرجعون فضلك ، انصرف الناس ولم أشعر قلبي منك اليأس . وقال أبو عبد الرحمن السلمي ذكر جعفر بن محمد عن بعض مشايخه ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال : دخلت مكة وكنت ربما أقعد بحذاء الكعبة ، وربما كنت أستلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية وكانت من العابدات ممن صحب الفضيل فقالت لي : يا عبد اللّه يقال إنك عالم إقبل مني كلمة لا تجالسه إلا بأدب وإلا فيمحو اسمك من ديوان القرب . وقال القاسم علي بن الحسن التنوخي أخبرني أبي قال : حدثني عبد اللّه بن أحمد بن بكر قال : كان لأبي الحسن المكي ابنة مقيمة بمكة أشد ورعا منه ، وكانت لا تقتات إلا ثلاثين درهما ينقدها إليها أبوها في كل سنة مما يستفضله من ثمن الخوص الذي يسفه ويبيعه ، فأخبرني ابن الرواس التمار وكان جاره قال : جئت أودعه للحج وأستعرض حاجته وأسأله أن يدعو لي فسلم إلي قرطاسا وقال : تسأل بمكة الموضع الفلاني عن فلانة ، وتسلم هذا إليها فعلمت أنها ابنته ، فأخذت القرطاس وجئت فسألت عنها فوجدتها بالعبادة والزهد أشد اشتهارا من أن تخفى ، فتبعت نفسي أن يصل إليها من مالي شيء يكون لي ثوابه ، وعلمت أني إن دفعت إليها ذلك لم تأخذه ، ففتحت القرطاس وجعلت الثلاثين خمسين ورددته كما كان وسلمته إليها فقالت : أي شيء خبر أبي ؟ فقلت : سلامة . فقالت : قد خالط أهل الدنيا وترك الانقطاع إلى اللّه تعالى ، فقلت كما قالت فأسألك باللّه وبمن حججت إليه عن شيء فتصدقني . فقلت : نعم ، فقالت : خلطت بهذه الدراهم شيئا من عندك ؟ فقلت : نعم