شرح
امرأة ضالة دلني على الطريق رحمك اللّه ، فقلت : أي الطريقين تسألين ؟ فبكت ثم قالت : عن طريق النجاة ، فقلت : هيهات هيهات ! لا يقطع ذلك الطريق إلا بالسير الحثيث من الجد وتصحيح المعاملة وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة ، فبكت ثم قالت : أما علائق الدنيا ففهمتها فما علائق الآخرة ؟ فقلت : لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لم يكن لك إلا ما كتب لك في اللوح المحفوظ وأن لجهنم زفرة يوم القيامة لو كان لك عمل سبعين نبيا ما كان لك بد أن ترديها .
قال : فصرخت صرخة ثم قالت : سبحان من صان عليك جوارحك فلم تقطع ، وسبحان من أمسك عليك فلم تتصدع ، ثم سقطت مغشيا عليها . قال ابن أبي الحواري : وكانت عندنا جارية من المتعبدات فقلت لها : أخرجي فانظري ما قصة هذه المرأة ؟ قال : فخرجت إليها فإذا هي قد فارقت الدنيا وإذا في جيبها رقعة مكتوب فيها : كفنوني في أثوابي فإن يكن لي عند ربي خير فسيبدلني ما هو خير لي منها ، وإن يكن غير ذلك فبعدا لنفسي وسحقا . قال ابن أبي الحواري :
فإذا خدم قد أحاطوا بالجارية ، فقلت لبعضهم : ما قصة هذه المرأة ؟ فقالوا : يا أبا الحسن هذه جارية كان يظهر بها شيء أنها مصابة بعقلها ، وكان الذي يمنعها من المطعم والمشرب ، وكانت تشكو إلينا وجعا بجوفها وكنا نعرض عليها الأطباء ، فكانت تقول : أريد متطببا أشكو إليه بعض ما أجد من دائي عسى أن يكون عنده شفائي ا ه . سياق البيهقي .
وقال أبو بكر التيمي : حدثنا محمد بن سليمان القرشي قال : بينا أنا أسير في طريق اليمن إذا بغلام واقف في الطريق في أذنيه قرطان في كل قرط جوهرة يضيء وجهه من ضوء تلك الجوهرة وهو يمجد ربه بأبيات من الشعر فسمعته يقول :عليك في السماء به افتخاري * عزيز القدر ليس به خفاءفدنوت منه فسلمت عليه فقال : ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك .
قلت : وما حقك ؟ قال : أنا غلام على مذهب إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلم لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف ، فأجبته إلى ذلك فترحب بي وسرت معه حتى قربنا من خيمة شعر ، فلما قربنا من الخيمة صاح يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة قال : قومي إلى ضيفنا . قالت الجارية : حتى أبدأ بشكر المولى الذي سبب لنا هذا الضيف ، فقامت فصلت ركعتين شكرا فأدخلني الخيمة وأجلسني ، وأخذ الغلام أغناما ليذبحها ، فلما جلست في الخيمة نظرت إلى أحسن الناس وجها ، فكنت أسارقها ففطنت لبعض لحظاتي إليها ، فقالت لي : مه أما علمت أنه نقل إلينا عن صاحب يثرب أن زنا العينين النظر أما أني ما أردت بهذا أن أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لكيلا تعود لمثل هذا ، فلما كان النوم بت أنا والغلام خارجا ، وباتت الجارية في الخيمة فكنت أسمع دوي القرآن الليل كله بأحسن صوت يكون وأرقه ، فلما أن أصبحت قلت للغلام صوت من كان ذلك ؟ فقال : تلك أختي تحيي الليل كله إلى الصباح ، فقلت : يا غلام أنت أحق بهذا العمل من أختك أنت رجل وهي امرأة . قال : فتبسم ثم قال لي : ويحك يا فتى أما علمت أنه موثق ومخذول .