تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
شرح
إني عملت بذلك . فقالت : إن أبي ما كان يزيدني على الثلاثين شيئا لأن حاله لا تحتمل أكثر منها إلا أن يكون ترك العبادة ، فلو أخبرني بذلك ما أخذت منه أيضا شيئا ، ثم قالت لي : خذ الجميع فقد عتقتني من حيث قدرت أنك تبرني ، فقلت : ولم ؟ قالت : لا آكل شيئا ليس من كسبي ولا من كسب أبي ولا آخذ من مال لا أعرف كيف هو شيئا . فقلت : خذي منها ثلاثين كما أنفذ إليك أبوك وردي الباقي . فقالت : لو عرفتها بعينها من جملة الدراهم لأخذتها ، ولكن اختلطت بما لا أعرف جهته فلا آخذ منها شيئا ، وأنا الآن أقتات إلى الموسم الآخر من المزابل لأن هذه كانت قوتي طول السنة وقد أجعتني ، ولولا إنك ما قصدت أذاي لدعوت عليك . قال : فاغتممت وعدت إلى البصرة وجئت إلى أبي الحسن فأخبرته واعتذرت إليه فقال : لا آخذها وقد اختلطت بغير مالي ، وقد عققتني وإياها . قال : فقلت فما أعمل بالدراهم ؟ فقال : لا أدري فما زلت مدة أعتذر إليه وأسأله ما أعمل بالدراهم ، فقال لي بعد مدة . تصدق بها ففعلت . وقال أبو الفتح بن أبي الفوارس : أخبرنا أبو عمرو بن حمدان ، حدثنا مسدد ، حدثنا الدورقي ، حدثنا عبد اللّه البكري ، عن جعفر بن سليمان ، حدثنا مالك بن دينار قال : رأيت بمكة امرأة من أحسن الناس عينين قال : فكان النساء يجئن فينظرن إليها فأخذت في البكاء فقيل لها : تذهب عيناك . فقالت : إن كنت من أهل الجنة فسيبدلني عينين أحسن من هاتين ، وإن كنت من أهل النار فسيصيبهما أشد من هذا . قال : فبكت حتى ذهبت إحدى عينيها . وقال مهدي بن حفص ، حدثني أبو عبد الرحمن المغازلي قال : كانت امرأة مجاورة بمكة تسمى حكيمة فدخلنا عليها ذات يوم فقالت لها امرأة كانت تخدمها : إخوانك جاؤوك يحبون أن يسمعوا كلامك . قال : فبكت طويلا ثم أقبلت علينا فقالت : إخواني وقرة عيني مثلوا القيامة نصب أبصار قلوبهم وردوا على أنفسكم ما قد تقدم من أعمالكم ، فما ظننتم أنه قد يجوز في ذلك اليوم فارغبوا إلى السيد في قبوله وتمام النعمة فيه ، وما خفتم أن يرد في ذلك اليوم عليكم فخذوا في إصلاحه من اليوم ولا تغفلوا عن أنفسكم فترد عليكم حيث لا يوجد البدل ولا يقدر على الفداء قال : ثم بكت طويلا ثم أقبلت علينا ، فقالت : إخواني وقرة عيني إنما صلاح الأبدان وفسادها حسن النية وسوءها إخواني وقرة عيني إنما نال المتقون المحبة لمحبتهم له وانقطاعهم إليه ، ولولا اللّه ورسوله ما نالوا ذلك ولكنهم أحبوا اللّه ورسوله فأحبهم عباد اللّه لحبهم اللّه ورسوله . إخواني وقرة عيني كلم الخوف قلوب أهله فاقتطعهم واللّه وشغلهم عن مطاعم اللذات والشهوات . إخواني وقرة عيني بقدر ما تعرضون عن اللّه يعرض عنكم بخيره ، وبقدر ما تقبلون عليه كذلك يقبل عليكم ويزيدكم من فضله إنه واسع كريم . وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا عبد الرحمن بن رباب الطائي ، حدثنا عبد الرحمن المحاربي ، عن سفيان ، عن ابن أبي رواد قال : كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة فماتت ، فلما بلغت القبر اختلست من أيدي الرجال .