ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك . وقال الخوّاص : دخلنا على رحلة العابدة وكانت قد صامت حتى اسودت وبكت حتى عميت وصلت حتى اقعدت ، وكانت تصلي قاعدة فسلمنا عليها ثم ذكرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر قال : فشهقت ثم قالت :
علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم كبدي واللّه لوددت أن اللّه لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا ، ثم أقبلت على صلاتها . فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن
شرح
عقابك ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك ) . وهذه مناجاة من شغف حب المولى عز وجل في باطن قلبه واستغرقته مراقبة نعمه وإحسانه . وقد روى ابن أبي الدنيا عن عبد اللّه بن محمد قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الملك قال : قدمت شعوانة وزوجها مكة ، ثم ساق القصة وفيها قال : وسمعتها تقول بالفارسية : أنبت لكل داء دواء في الجبال ودواء المحبين في الجبال لم ينبت .
( وقال ) إبراهيم بن أحمد ( الخواص ) رحمه اللّه تعالى : ( دخلنا على رحلة العابدة وكانت قد صامت حتى اسودت وبكيت حتى عميت وصلت حتى أقعدت وكانت تصلي قاعدة فسلمنا عليها ثم ذكرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر ، قال : فشهقت ثم قالت : علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم كبدي ، واللّه لوددت أن اللّه لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا ) .
ويقرب من هذه القصة ما رواه ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين قال : حدثني أبو جعفر المؤدب ، حدثنا حفص بن عمر الجعفي قال : كانت باليمن امرأة من العرب جليلة جهورية حسنا وجمالا يقال لها خنساء بنت جذام وليست بالصحابية ، فصامت أربعين عاما حتى لصق جلدها بعظمها ، وبكت حتى ذهبت عيناها ، وقامت حتى أقعدت من رجليها ، وكان طاوس ووهب بن منبه يعظمان قدرها ، وكانت إذا دجا عليها الليل وهدأت العيون وسكنت الحركات تنادي بصوت لها حزين : يا حبيب المطيعين إلى كم تحبس خدود المطيعين في التراب ، ابعثهم حتى ينتجزوا موعودك الصادق الذي أتعبوا له أنفسهم ثم أنصبوها . قال : فيسمع البكاء من الدور حولها .
ومما يليق ذكره من أحوال المجتهدات ما أورده البيهقي في الشعب عن سلامة العابدة قالت :
بكت عبدة بنت أبي كلاب أربعين سنة حتى ذهب بصرها فقيل لها : ما تشتهين قالت : الموت . قيل :
ولم ذاك ؟ قالت : إني أخشى اللّه في كل يوم حين أصبح أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أيام الآخرة .
وعن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت رابعة تقول : ما رأيت ثلجا قط إلا ذكرت تطاير الصحف ، ولا رأيت جرادا قط إلا ذكرت الحشر ، ولا سمعت أذانا قط إلا ذكرت منادي القيامة قالت ، وقلت لنفسي : كوني في الدنيا بمنزلة الطير الواقع حتى يأتيك قضاؤه .
وعن أبي عثمان الخياط قال : حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : بينا أنا ذات يوم جالس بالشام في قبة ليس عليها باب إلا كساء مسبل إذ أتتني امرأة فدقت علي الحائط فقلت : من هذا ؟ فقالت :